قال الفاضل الشارح إنما قدم الإدراك [ 1 ] لأن الحركة الإرادية - لا توجد إلا عند الشعور بمطلوب أو مهروب عنه - فهي متأخرة عن الشعور - ولأجل ذلك ذهب بعضهم - وإن كانوا مبطلين إلى تجويز خلو بعض الحيوانات - كالأصداف والإسفنجات عن تلك الحركة -
هامش
[ 1 ] قوله « انما قدم الادراك » قال الامام ، انما قدم ذكر القوى المدركة على القوى المحركة لان الحركة الإرادية إما انقباضية ، أو انبساطية ، والحركة الانقباضية بواسطة ادراك المطلوب ، والانبساطية بواسطة ادراك المهروب ، ولأجل ذلك اى ولتوقف الحركة على الادراك وعدم توقف الادراك على الحركة ذهب جمع إلى أنه ربما ينفك الادراك عن الحركة كما في بعض الحيوانات ، ولم يذهب أحد إلى جواز انفكاك الحركة عن الادراك في شيء من الحيوانات . فلما كان الادراك متقدما على الحركة طبعا استحق التقدم وضعا ، ولما كان الكلام في القوى المدركة فرعا على الكلام في الادراك ابتدأ بتحقيق ماهية الادراك .
قال الشارح : ويمكن أن يقال أيضا : الحركة متقدمة على الادراك لان الحيوان انما احتاج إلى الادراك بواسطة الحركة فإنه يدرك الملايم ليتحرك اليه ويدرك غير الملايم ليتحرك عنه . فالحركة غاية الادراك والغاية متقدمة على ذي الغاية ، ولاحتياج الادراك إلى الحركة وعدم احتياجها اليه أمكن له انفكاك الحركة عن الادراك كما في النبات ، وستعلم أن تقدم الغاية ليس الا في التصور فاللازم ليس الا أن ادراك الحركة متقدمة على ادراك الملايم أو غيره وأما أن الحركة نفسها متقدمة على الادراك فلا . بل القول بان الحيوانات يدرك شيئا ليتحرك اليه أو عنه تصريح بتقدم الادراك على الحركة كما ذكره الامام ، والأولى أن يعكس ويقال : الانسان ربما يتحرك إلى شيء يدركه فيكون الحركة في الجملة متقدمة على الادراك وهذا القدر كاف فيما قصده الشارح لأنه يمكنه حينئذ أن يقول : أن أراد ان كل ادراك سابق على الحركة فهو ظاهر البطلان ، وان أراد أن بعض الادراك سابق على الحركة فبعض الحركة أيضا سابق على الادراك فتقدم الادراك على الحركة في الجملة لا يكون وجها لتقدمه في الوضع ، ثم قال : لما كان بعض الادراك سابقا على الحركة كما بينه الامام ، وبعض الحركة سابقا على الادراك كما بيناه على ما أشار اليه بقوله « ويمكن أيضا ان يقال » فالادراك والحركة من حيث هما لا تقدم لأحدهما على الاخر بل احتياج الحيوان إلى أحدهما كما احتاج إلى الاخر ولذلك صارا مبدئى فصلين متساويين . فالوجه في تقدم الادراك انه اشرف لا التقدم الطبيعي كما ذكره الامام ، وفي عبارته أنهما مبدئا فصلين متساويين مساهلة ؛ بل هما أثران من فصل الحيوان فان الفصل الحقيقي ربما لا يعلم ، ويوضع موضعه بعض اللوازم القريبة الواضحة فلما لم يعلم حقيقة فصل الحيوان وكان الحساس والمتحرك لازمين له في مرتبة واحدة وضعناهما موضع فصله الحقيقي وان لم يكونا فصله في الحقيقة ، ولعل المراد هذا القدر فهو كاف لاستشهاده هاهنا . م