الفصل السادس عشر في مناقضة الاحتجاج المنقول عن ابن سينا
قد جاء هذا الاحتجاج بعبارة فيها غموض في المفهوم ودقة في النظر وليس الغموض والدقة مما يجعله حقا لكن يجعله مما يعسر تأمله وفهمه على السامع والقارئ وما يعسر تأمله وفهمه تعسر منا قضته لأنها تكون أطول واغمض وأدق فمن يتلقاه بذهن يكل عن تفهمه ويضجر من تأمله يتصرف به الوهم إلى وجوه ، فمنها ان يحسن الظن بالقول ويسيء الظن بالمعارضة ، ومنها ان يحسن الظن بالمعارضة ويسيء الظن بالقول ، ومنها ان يحسن الظن بهما أو يسيء الظن بهما حيث لا يفهم تناقضهما وحقيقة تقابلهما لاقتسام الصدق والكذب ومن هذه حاله في ذلك وفي غيره فليس الكلام معه فيه وانما الكلام مع من يتأمل ويتصور ويعرف حقيقة المناقضة فيثبت ما يثبت ويبطل ما يبطل .
وأول المعارضة هو ان نناقض فنقول وندعى نقيض المسألة المصدر بها وهو ان مدرك الجزئيات فينا من المبصرات والمسموعات وسائر المحسوسات ليس بقوة جسمانية كما أوضحناه في علم النفس ببيانات وحجج هي أبين وأوضح وأثبت قد ما من الحجة التي احتج بها على النقيض ، والحق لا يكون في قولين متناقضين معا وإذا ثبت في هذه التي هي الأظهر والأثبت صار بطلانه في النقيض الأخفى والأضعف يقينا .
وذلك انا قلنا إن القوة الجسمانية فينا لا يكون محلها أكبر من جسم الانسان الواحد بجملته وقد قالوا إنه جزء صغير من اجزائه حيث جعلوا محل القوة الخيالية جزاء من جوهر الدماغ الذي في البطن المقدم من الرأس أو جزءا من الروح الدماغي وهو الذي يختص بهذا الجزء منه ونحن فندرك من المتخيلات ونتصور من الموجودات الجزئية أشياء كثيرة محفوظة في أذهاننا وملحوظة بها يكون الواحد منها « 1 » اضعافا كثيرة لجسمنا باسره فكيف للجزء المذكور من بعض اجزائه وهو قد طلب في احتجاجه الأخير جسما يتخيل به السواد والبياض ليثبت
هامش
( 1 ) كو - بها