حكمنا عليه بالوجود واشتققنا له منه الاسم فقلنا موجود كان لما نقوله من ذلك في العرف والعادة معنى قبول مصدق ولنقيضه حينئذ معنى مردود مكذب عند العوام والخواص من الناس لا يكذب هذا ولا يصدق نقضيه من يفهم المعنى من اللفظ ويحصله فكما انا إذا قلنا لشخص ما بأنه انسان عنينا بذلك بحسب شرح الاسم انه جسم ذو نفس متغذ نام حساس متحرك بالإرادة ناطق وكذلك إذا قلنا إنه ابيض ونكون قد قلنا إنه ذو بياض أو له بياض موجود فيه وهو موصوف به ويصدق قولنا بذلك في الأبيض ويكذب فيما ليس بابيض كما يكذب في الزنجي والحبشي فكذلك إذا قلنا إنه موجود يكون معناه وصفه بالوجود وان له وجود أو يصدق القول فيما هو موجود ويكذب فيما ليس بموجود .
قال السائل فما الوجود المحكوم به ، قلنا هو شئ يفهمه من قولك الخواص والعوام ويقبلونه ويصدقونه حيث يصدق ويردونه ويكذبونه حيث يكذب كمن يقول عن شخص انسان حاضر لمشاهدة المتأمل وإشارة المشير أنه موجود أوانه غير موجود فقال . وما المعنى الذي صدق به المصدق من ذلك لما صدق وكذب به المكذب لما كذب فان المثال في الأبيض والبياض حصل بالتفصيل إلى المعنيين اللذين هما الجسم الموصوف والبياض الذي هو صفة له فكان البياض شيئا محسوسا في شئ محسوس مشار اليه في مكان وزمان ولما قيل ذو نفس عرف الجسم بالحس من لونه وملمسه في مكانه وزمانه وبغير شكله ومقداره وما أحس به من حالاته وعرفت النفس بافعالها وسماها المسمى من حيث عرفها كما عرفها فصحت المعرفة بالموصوف والصفة وليس كذلك في الوجود والموجود فان الموجود مثل الانسان نعرفه بادراك الحس كما أدركنا البياض والأبيض . فان قيل إن وجوده هو كونه مدركا محسوسا بالحواس الظاهرة كالأبيض والأسود ونحوهما أو بالذهن الناطق كما يحس الانسان في باطنه ونفسه محبة المحبوب وبغضة المبغوض والشوق واللذة والفرح والغم وما شاكلها مما يجده
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 220
مساهمون: ابو البركات
ص٢٢٠