فالذي يرتفع في الوجود ويبعد عن الشئ الموجود انما هو شئ موجود كالضد والمباين فهو تعالى منزه مقدس عن الاعدام والنقائص في ان يوصف بها أو تنسب اليه من حيث هي اعدام فان الذي عنه هو الوجود لا العدم واما الاضداد والمباينات فينسب اليه منها ما يليق بالتنزيه والتقديس وهو البعد والابعاد من خسائس الموجودات التي هي عنه في الوجود في الطرف الأقصى فإذا قال قائل انها عنه ومنه على أنه علتها الأولى التي بالذات من غير واسطة فقد قال بما يخالف التقديس والتنزيه والذي قاله النبي العالم في ذلك ان الشر لا يجاورك والأشرار لا يقربوك ولا نقربهم فذلك معنى القدس والنزاهة وهو بعد الأشياء التي تنسب إلى النجاسة من قدسها وابعادها عن مرتبة وجوده لا كما نزهه قوم ، بان قالوا يجل عن معرفة الأشياء بأسرها ، وقال آخرون بل عن بعضها ولو وجب اجلاله وتنزيهه عن البعض لوجب عن الكل فان الكل بقياسه سفل وهو الاعلى وقليل وهو الأكثر وصغير وهو الأكبر وهو حي اعني فعال عارف « 1 » بما يفعل فان الحي فيما نتعارفه يقال لمن هذه حاله حتى إذا فقد ان يفعل أو ان يشعر بفعله قيل له موات أو جماد كالانسان الميت فإنه يقال له ميت لبطلان حسه وحركته وشعوره ومعرفته والسيف يقال له جماد لعدم شعوره بفعله لكن الحي منا تصدر افعاله عن أعضائه بقوة فيها يفارقها بالموت فتعدم افعالها فالجسد منا وآلاته هو الفعال الذي نشعر به لكن مصدر الفعل منه قوة هي نفس فيه وهو حي بها وميت بعدمها واللّه تعالى حي بذاته لا بقوة فيه كما في الجسد منا وحياته له منه واجبة الوجود بذاتها لا كالنفس التي فينا فان وجودها بغيرها وعن غيرها وارادته لأفعاله على الوجه الذي سبق القول به .
وأيضا فان افعالنا تصدر عن تصور ومعرفة من نفوسنا تتبعها عزيمة محركة لاعضائنا نحو الفعل لقصور نفوسنا عن اتمام الفعل بذاتها وهو قادر لا بقدرة بل بذاته يتم فعله بتصوره وارادته وهو معنى ما قيل من أنه يقول كن فيكون وذلك
هامش
( 1 ) كذا - والظاهر - فعالا عارفا - ح