ومن أحسنها اظهار ايثار الانصاف على الغلبة حتى يطمئن اليه المجيب حينئذ ويأتي بالمقدمات في كثير من الأوقات على سبيل المثل والخبر ويدعى في قوله ظهور ذلك وشهرته وجرى العادة به حتى يتوقف المجيب عن جحده ولا يقدم على رده فإنه إذا روى وتوقف في ذلك صار توقفه كالتسليم .
ومن ذلك ان يخلط الكلام بما لا يفيد الغرض المقصود فان الكذاب إذا خلط بكذبه ما لا مدخل له في الغرض اخفى كذبه خصوصا ان كان ذلك الذي لا مدخل له في الغرض حقا مشهورا مسلما - ويؤخر السؤال عن الأشياء التي هي عمدة الاحتجاج فان المجيب يعاند في أول امره في التسليم ثم يضجر فيتسامح ويتساهل في آخر الامر خصوصا إذا توهم ان المسؤول عنه لا يؤدى إلى ابطال وضع .
ومن المجيبين من يحمله العجب على أن يعتمد على قوة نفسه فيسلم في أول الأمر ولا يتوقف حتى إذا كاد الوضع يبطل عاد إلى العناد والمجادلة وينبغي في مجادلة أمثالهم ان يعتمد الاسهاب في القول وحشو الكلام بما لا جدوى له ليشكل على المجيب غرض السائل أو يمل ويضجر فيسلم ما يسئل عنه لتنقضى المحاورة فاما إذا أريد بما يقال ايضاح القول فينبغي ان يستعمل المثال ويبدل الأسماء والكلم والأقاويل الاخفى بالأظهر والاغرب بالأشهر ويفصل الكلام المشترك .
والأحسن مع الفضلاء وذوى البصيرة هو استعمال القياس واما مع من لا فضل له ولا معرفة فاستعمال الاستقراء أولى وإذا سلم المجيب الجزئيات المستقراة وامتنع عن تسليم الكلى عدل إلى مطالبته بذلك مما سلمه وقد يكون امتناعه لاحتجاجه باشتراك الاسم كمناقضة قول القائل كل انسان حيوان بالانسان الميت فإنه انسان باشتراك الاسم فينبغي للسائل ان يقسم الاسم إلى معانيه وينص على المقصود منه فان ناقض المجيب مناقضة على الصدق فعلى السائل ان يشترط للذي ناقض به شريطة خاصة ولباقي معاني الاسم شرائط أخرى متميزة عنها والأحسن ان يسبق إلى ذلك قبل المناقضة ويستعمله في الاحتراز عن المقاومة والمعاندة قبل وقوعها .
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 258
مساهمون: ابو البركات
ص٢٥٨