واعلم : أن الحكماء لما قالوا في حد الانسان : انه الحيوان الناطق :
طعن بعضهم فيه . وقال : ان الحد باطل طردا وعكسا .
أما الطرد . فلأن الببغاء ينطق وليس بانسان . وأما العكس .
فلأن الأبكم انسان وليس بناطق .
واعلم : أن من وقف على ما ذكرناه في تفسير الناطق ، علم أن هذا السؤال باطل . وذلك لأنا بينا أن مرادنا من الناطق : كونه قادرا على اعلام غيره بما في قلبه من الأحوال والعلوم . والببغاء لا يقدر على ذلك ، والأبكم يقدر على ذلك بسائر الطرق . فزال هذا السؤال .
* * * قال الشيخ : « ولها خواص « 9 » منها ما هو من باب الفعل في البدن ، ومنها ما هو من باب الادراك ، ومنها ما هو من باب الانفعال . فأما الذي لها من باب الفعل في البدن والانفعال ، ففعل ليس يصدر عن مجرد ذاتها ، وأما الادراك الخاص ، ففعل يصدر من مجرد ذاتها من غير حاجة إلى البدن » التفسير : ذكر أن خواص النفس منها ما هو من باب الادراك :
ومنها ما هو من باب الفعل . ومنها ما هو من باب الانفعال . وعندي :
أن هذا التقسيم مختل . وذلك لأن الادراك اما أن يكون تصورا ، واما أن يكون تصديقا . فأما التصور فإنه من باب الانفعال ، فإنه عبارة عن حصول صورة في النفس من غير أن يقترن به حكم ، فلا يكون للنفس معها نسبة الا بالقبول . وهذا هو الافتعال واما التصديق فإنه من باب الفعل .
لأنه عبارة عن الحكم بثبوت شئ لشئ . وهذا الحكم فعل . فثبت : أن الادراك اما أن يكون انفعالا . وإذا كان كذلك ، كان جعل الادراك قسما للفعل والانفعال خطأ .
هامش
( 9 ) نص عبارة عيون الحكمة : « ولها خواص منها ما هو من باب الادراك ومنها ما هو من باب الفعل ومنها ما هو من باب الانفعال . فأما الذي لها من باب الفعل في البدن والانفعال ففعل ليس يصدر عن مجرد ذاتها . وأما الادراك الخاص ففعل يصدر عن مجرد ذاتها من غير حاجة إلى البدن »