ثم نقول : انا نتصرف في صور المحسوسات وفي هذه المعاني الجزئية بالتركيب تارة ، وبالتحليل أخرى . ثم نقول : انه يمكننا حمل الكليات على الجزئيات ، فههنا شئ واحد هو المدرك الكليات والجزئيات معا ، لكن مدرك الكلى هو النفس ، ومدرك الجزئي أيضا هو النفس .
فثبت : أن المدرك لجميع المدركات الكلية والجزئية بجميع أنواع الادراكات : شئ واحد وهو النفس . ثم نقول : الذي يحرك بالاختيار هو الذي يقصد إلى التحريك . والقصد إلى الشئ مشروط بكون ذلك القاصد مقصورا لماهية ذلك المقصود ، ولكونه حاكما بأنه يجب تحصيل ذلك المقصود . وعند هذا القول ( فان ) كل محرك بالاختيار هو قاصد لذلك التحريك . وكل قاصد أمرا من الأمور فهو شاعر بماهية ذلك المقصود ، ينتج : كل محرك بالاختيار فهو شاعر بماهية ذلك الفعل .
فثبت : أن المدرك والمحرك شئ واحد . وهذا برهان قاطع في اثبات هذا المطلوب .
واعلم : أن هذا الفصل من أدل الدلائل على اثبات النفس الناطقة .
وذلك لأنا نقول : الانسان شئ موصوف بكل الادراكات ، بجميع المدركات . ولا شئ من أجزاء البدن كذلك ، ينتج من الشكل الثاني :
أن الانسان شئ مغاير لمجموع البدن ولجميع أجزائه وهذا البرهان هو الذي عليه تعويلنا في اثبات أن النفس جوهر مغاير لمجموع البدن ، ولكل واحد من أجزائه .
الحجة الثانية في اثبات هذا المطلوب : أن كل واحد يعلم بالضرورة أنه هو الذي أبصر المبصرات وسمع المسموعات وذاق ولمس وتنبل وتفكر واشتهى وغضب . ومن نازع فيه فقد نازع في أجلى العلوم الضرورية وأوضحك . ولا شك أن المشار اليه لكل واحد بقوله « أنا » ليس الا جوهر النفس ، فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأفعال وبهذه الصفات :
ليس الا النفس .
شرح عيون الحكمة — صفحة 266
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٦٦