الأول : ان الابصار عندكم عبارة عن انطباع صورة المرئى في الرائي ، وعلى هذا يلزمك أن الانسان إذا رأى نصف كرة العالم ، أن تنطبع صورة نصف العالم في نقطة ناظره . وذلك محال . فإذا التزمت هذا ، فكيف تستبعد أن يخرج من بصر الانسان جسم يلاقى نصف كرة العالم ؟
وبالجملة : فإن كان صغر نقطة الناظر يمنع من أن يخرج منها جسم ينبسط على نصف كرة العالم ، فكذلك صغرها يمنع من أن يرتسم فيها صورة نصف كرة العالم على كبرها .
الثاني : هو أن مثبتى الجوهر الفرد لما قالوا : لو كان الجسم قابلا لانقسامات لا نهاية لها ، لزم تجويز أن ينفصل من الخردلة الواحدة طبقات تغشى بها وجوه السماوات والأرض وأنتم التزمتم وقلتم : هذا وان كان مستبعدا الا أنه ليس بممتنع . فإذا حكمتم هناك بأنه غير ممتنع ، فكيف حكمتم هاهنا بأنه ممتنع ؟
الوجه الثالث : هو أن مذهبكم : أن الجسم أن ينتقل من المقدار الصغير إلى المقدار العظيم . وبالعكس . وإذا كان كذلك ، فلم لا يجوز أن يقال : ان الشعاع حين كان في العين كان صغير القدر ، وإذا خرج من العين انبسط وعظم قدره ؟
الوجه الرابع : هو أن هذا الكلام انما يتوجه على من يقول : شرط حصول الابصار خروج الشعاع من العين واتصاله بالمرئى ، أما من لا يقول به بل يقول : شرط حصول الابصار خروجه من العين واتصاله بالهواء المتصل بالمرئى ، فإنه لا يتوجه عليه هذا المحال البتة . فانا نقول :
الشعاع الموجود في العين وان كان في غاية القلة الا أن شرط الابصار خروجه من العين واتصاله بالهواء النير المتصل بالمرئى . وهذا الكلام لا يتوجه عليه ما أوردتموه البتة . فسقط ذلك الكلام بالكلية .
لا يقال : وإذا لم يكن حصول الابصار مشروطا بأن يخرج الشعاع من العين ويتصل بالمرئى ، فلم لا يكتفى بالهواء النير الواقف بين الرائي وبين المرئى ، من غير حاجة إلى خروج هذا الشعاع القليل من العين ؟
شرح عيون الحكمة — صفحة 232
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٣٢