في معدن التخيل والتوهم من لوح الحس المشترك وقريبا مما يجرى بين المرايا المتقابلة ) التفسير قال رضى اللّه عنه لما كان لاستدلال بالقطرة والنقطة لا يدل على احساس الحس المشترك بما لا وجود له في الخارج البتة وكانت هذه المقدمة لا بد من اثباتها في المطلوب الذي نحن بصدده لا جرم افتقر إلى ذكر دلالة أخرى وتقريرها أن المرضى والممرورين يشاهدون صورا محسوسة مع أنه لا يراها غيرهم فتلك الصور اما أن تكون معدومة أو موجودة لا جائز أن تكون معدومة لان العدم نفى محض والنفي المحض لا يكون مشاهدا فهي اذن موجودة فاما أن تكون موجودة في الخارج أولا في الخارج والأول باطل والا لرآها كل من كان سليم الحس فهي اذن غير موجودة في الخارج فاما أن تكون موجودة في النفس الناطقة أو في قوة جسمانية والأول باطل لان النفس الناطقة لا تدرك الجزئيات ولا ترتسم فيها صور المحسوسات فهي اذن مرتسمة في قوة جسمانية تبصر المبصرات وهي اما بالقوة الباصرة وهو باطل لان هذا الانسان ربما كان أعمى ولأنه ربما شاهد شاهد ذلك بالليل ولان البصر لا يدرك الا الموجود في الخارج فعلمنا أن في البدن قوة جسمانية غير القوة الباصرة وهي التي أدركت هذه الصور فثبت بما ذكرنا أن الحس المشترك قد يشاهد صورا لا وجود لها في الخارج البتة وإذا ثبت أن هذه الصور ما وردت عليه من الخارج وجب أن يكون ورودها عليه من الداخل وذلك إذا كان في خزانة الخيال صور مخزونة فإذا انتقلت إلى الحس المشترك صارت محسوسة أو تركب القود المتخلية صورا ترتسم تلك الصور في الحس المشترك واعلم أنه كما يجوز أن ترتسم صور المحسوسة بالحواس الظاهرة في الحس المشترك ثم تنتقل إلى خزانة الخيال فكذلك لا بأس بان تنتقل الصور الموجودة في خزانة الخيال أو الصور التي تركبها المتخيلة إلى الحس المشترك لان الحال فيها قريب من الحال بين المرايا المتقابلة ولقائل أن يقول قد بينا فيما مضى انكم إذا جوزتم في الشيء المبصر أو المسموع أن لا تكون موجودة في الخارج كانت السفسطة لازمة لكم بحيث لا يكون لكم عنها محيص
( تنبيه [ في بيان ما يمنع النفس عن الانتقاش ]
ثم إن هذا الصارف عن هذا الانتقاش شاغلان حسى خارج يشغل لوح الحس المشترك بما يرسمه فيه عن غيره كأنه يبزه عن الخيال بزا ويغصبه منه غصبا وعقلي باطن أو وهمى باطن يضبط التخيل على الاعتدال متصرفا فيه بما يعنيه ويشتغل بالاذعان له عن التسلط على الحس المشترك فلا يتمكن من النقش فيه لان حركته ضعيفة لأنها تابعه لا متبوعة وإذا شغل أحد الشاغلين بقي شاغل واحد فربما عجز عن الضبط فيتسلط التخيل على الحس المشترك فلوح فيه الصور محسوسة مشاهدة ) التفسير قال رضى اللّه عنه وأرضاه لما بين أن الصور المرتسمة في التخيل قد تنتقل إلى الحس المشترك حتى تصير مشاهدة محسوسة وان لم تكن موجودة في الخارج كان لقائل أن يقول لو جاز أن يكون الامر كذلك لوجب أن تصير جميع الصور المتخيلة محسوسة والا فما الفرق