بالحركات من تلك العقول والنفوس وأما المقدمة الأولى فهي التي يشتمل عليها هذا الفصل واعلم أنا قد دللنا على أن العقول المجردة عالمة بجميع الجزئيات على وجه كلى لان جميع الجزئيات منتهية إليها في سلسلة الحاجة والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول ودللنا أيضا على أن للفلك نفسا هي قوة جسمانية وهي مدركة للجزئيات ودللنا على أن حوادث هذا العالم مستندة إلى الحركات الفلكية ودللنا على أن العلة القريبة لتلك الحركات هي النفس وعرفت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول فيلزم من مجموع هذه المقدمات كون النفس الفلكية عالمة بجميع ما يحصل في هذا العالم من الجزئيات وهذان الأصلان قد مر تقريرهما لكنا أعدناهما للتذكير ثم هاهنا أمر آخر وهو أن للفلك مع العقل المفارق والنفس الجسمانية شيء ثالث وهو النفس الناطقة يعنى أنه ليس بجسم ولا بجسمانى في ذاته ولكن له علاقة مع الفلك وبسبب تلك العلاقة يستفيد كمالات متحدة كما أن النفس الناطقة التي لنار ان لم تكن جسما ولا جسمانية لكن لها تعلق بابداننا ولأجل ذلك التعلق فقدر على اكتساب الكمالات العقلية وقد مر تقرير هذا المعنى في النمط الثالث والسادس وعلى هذا التقرير أيضا فجميع الجزئيات التي تحدث في هذا العالم معلول للعقل المفارق والنفس الناطقة والنفس الجسمانية ولنرجع إلى التفسير أما قوله قد علمت فيما سلف أن الجزئيات المنقوشة في العالم العقلي نقشا على وجه كلى فاعلم أن المراد من النفس هاهنا العلم فقوله الجزئيات المنقوشة في العالم العقلي نقشا كليا أي الجزئيات معلومه للعقول المفارقة علما كليا وأما قوله وقد تنبهت أن الأجسام السماوية إلى قوله في العالم العنصري فالمراد أن الأفلاك لها نفوس جسمانية ولها ادراكات جزئية وإرادات جزئية صادرة عن تلك الادراكات الجزئية وانها عالمة بجميع اللوازم الجزئية الصادرة عن حركاتها الجزئية في هذا العالم العنصري وأما قوله ثم إن كان ما يلوحه ضرب من النظر إلى قوله زيادة معنى في ذلك فاعلم أن جملة هذا الكلام قضية واحدة شرطية متصلة وتقريره ان كان ما يلوحه ضرب من النظر مستورا وهو كذا وكذا حقا صار للأجسام السماوية زيادة معنى وقوله مستورا نصب على الحال أي اما كان ما يلوحه ضرب من النظر حال كونه مستور ويمكن أن يكون مرفوعا صفة فقوله ضرب من النظر مستور الا على الراسخين وهو كذا وكذا كان حينئذ كذا وكذا وأما قوله ليظاهر رأى جزئي وآخر كلى فاعلم أن المراد منه بيان ما ادعاه من أن الفلك لو كانت له نفس ناطقة لحصلت له زيادة معنى وذلك لأنه إذا حصلت له نفس مدركة للجزئيات ونفس أخرى مدركة للكليات وتكون هذه النفس الناطقة متغيرة منفعلة من معقول إلى معقول كانت الحركات الفلكية صادرة عن مجموع رأيين أحدهما الرأي الكلى الذي للنفس الناطقة والثاني الجزئي الذي للنفس الفلكية الجسمانية وتكون تلك الحركات حينئذ جارية مجرى الافعال الانسانية فان التي بكون مبدؤها التعقل ثم التخيل أشرف من التي يكون مبدؤها مجرد التخيل وأما قوله وجميع ذلك مما نبهنا عليه أن للجزئيات في العالم العقلي نفسا على هيئة كلية وهي العالم النفساني ونفسا على هيئة جزئية شاعرة بالوقت فالمراد أن الجزئيات التي في عالمنا هذا معلومة للعقول على وجه كلى وللنفوس الجسمانية على الوجه الجزئي الذي يحصل فيه الشعور بالوقت أي يعلم أنه الآن حاضر أو غير حاضر وأما قوله والنفسان معا فاعلم أنه لما بين أن هذه الجزئيات
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 129
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٩