والنار ولا يسمع من الهاتف الا الكلمات المحذرة عن الدنيا والمرغبة في الآخرة ثم إذا صار الوهم والخيال كذلك أعانا العقل على عمله وأعانهما العقل أيضا على ذلك ولا يزال كل واحد منهما يعين الآخر حتى يصلا إلى المقصد الأقصى فلهذا السر ذكر الشيخ ان الغرض من تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة هو أن ينجذب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للامر القدسي منصرفة عن التوهمات المناسبة للامر السفلى وأما أسباب هذا التطويع فقد ذكر الشيخ أمورا ثلاثة أولها العبادة المشفوعة بالفكرة وأما العبادة فلان النفس في أول الرياضة قليلة لالتفات إلى الجانب الا على فلا بدّ من سبب مذكر وما ذاك الا العبادات كما تقدم تقريره وأما كونها مشفوعة بالفكرة فلانه لما كان الغرض من العبادات تذكر تلك المجردات وذلك مما لا يتأتى الا بالفكرة فلا جرم وجب كون العبادة مشفوعة بالفكرة وثانيها الألحان وقد تقدم تقريره وثالثها نفس الكلام الواعظ من قابل ذكى بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد فاعلم أن الكلام الواعظ هو الأصل وأما القيود الأربعة الباقية فهي كالأمور الخارجة المتممة ولا بد من شرحها أما كون القابل ذكيا فلان من لم يكن فعله مطابقا لقوله لم يكن لقوله وقع في القلب لان المؤثر ليس هو القول اللساني بل القوة النفسانية فإذا لم تقو القوة النفسانية على اصلاح بدنها مع شدة قربها اليه فلان لا تقوى على اصلاح بدن آخر كان أولى وأما كون العبارة بليغة فيجب تقديم تفسير البلاغة وهي في الأصل عبارة عن بلوغ الرجل بعبارته كنه ما في ضميره ولا بد مع ذلك من قيد آخر لينتفع به في مطلوبنا هذا وبيانه وهو ان دلالة الالفاظ كما عرفت اما بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام وقد بينا في كتاب الاعجاز ان الفصاحة لا تحصل الا من دلالة الالتزام وأيضا فالنفس لكونها من كون جوهر الملائكة مستعلية على جميع الأجسام والاعراض مستحقرة لها غير ملتفتة إليها بل هي لا تنفعل الا إذا استشعرت جانب اللّه تعالى وتفكرت في عظمته ولاح له شيء من مبادى جلاله وكبريائه فإنها هناك تتلاشى وتضمحل كما قال اللّه تعالى ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب فإذا عرفت ذاك فنقول أو أعبر الانسان عن كمال اللّه تعالى وعظمته في صفة من الصفات بعبارات دالة عليها بطريق الالتزام دلالة غير موصلة إلى كنه المعنى بتمامه بل دلالة مكشوفة من وجه ومبهمة من وجه آخر فبالقدر الذي حصل من الادراك يحصل اللذة والاستعظام وبالقدر الذي لم يصل اليه ولم يحط به بقي مشتاقا اليه فتحصل هناك لذات نفسانية بسبب الوصول وآلام نفسانية بسبب الشوق إلى ما يصل اليه ثم لتعاقب تلك اللذات والآلام يكون الشعور بها أتم ولاختلاطها يحس بها كالحالة الواحدة الممتزجة من اللذة والألم فتحصل هناك حالة طيبة شبيهة بالدغدغة مدهشة مطربة مع نوع من الاستعظام والحيرة والكلام الواقع على هذا الوجه يكون في أعلى طبقات الفصاحة ومثاله قوله تعالى وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعى فانا لو قلنا إن ما فيه من الفصاحة لما فيه من الترصيع في قوله ابلعي واقلعى والمطابقة في قوله ويا سماء ويا أرض لكان ذلك سببا قليلا والحس السليم والذوق المستقيم شاهدان بان الروعة التي يجدها منها أكثر كثيرا مما يقتضيه هذا القدر ثم إذا فتشنا وجدنا السبب فيه ما ذكرناه فان لفظة قيل فعل ما لم يسم فاعله مع أن المراد منه هو سبحانه وذلك مشعر بانة سبحانه في العظمة والكبرياء بحيث متى قيل قيل لم ينصرف العقل والوهم والفكر والخيال الا اليه لكون ما عداه بالنسبة اليه كالمعدوم فهذه الكلمة مشعرة بالعظمة من هذا الوجه وان لم يكن فيها بيان تفصيلي لها حتى لو قلت قال اللّه يا أرض ابلعي ماءك لذهب أكثر تلك الروعة والفخامة وكذلك قوله تعالى يا أرض ويا سماء مشعر بنفاذ أمره سبحانه وتعالى على هذه الأجسام العظيمة الجليلة ومن نفذ أمره فيها كان بالعظمة أجدر فهذا مشعر بنوع آخر من العظمة على الاجمال لا على التفصيل حتى لو صرحنا بذلك التفصيل وقلنا إنه تعالى قطع مادة المطر من السماء وجعل الأرض باسقة للماء لم يبق شيء من تلك الروعة فاما قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين فهو
وان كان في غاية الحسن لاشتماله على مجامع الاخلاق الفاضلة لكنها لكونها متناولة لأحوال النفس لا للأمور الإلهية لم يكن فيها من الروعة ما في الآية الأولى فظهر بما ذكرنا انه كيف ينبغي أن يكون الكلام بليغا حتى يكون ملائما للنفوس الفاضلة وأكون النغمة رخيمة فقال صاحب الصحاح كلام وخيم أي رقيق وانما يجب أن يكون ذلك لئلا يفرغ الدماغ بقوته ولئلا تشتغل النفس عن غيره لان النفس يشتد اشتغالها بالمدركات القوية وتذهل عن غيرها ثم هاهنا بحث وهو ان الملائم
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 115
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١١٥