تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
الفصول فنحو الاستكثار من المشتهيات سواء كان المشتهى مالا أو جاها أو صيتا أو استعلاء على الغير أو استكثارا من العلوم الإلهي لا تكون مقربة إلى اللّه تعالى وهذا مقام صعب لان تلك اللذات حاضرة واللذة العقلية غائبة وأيضا فهذه اللذات مألوفة واللذة العقلية غير مألوفة والانفطام عن اللذة الحاضرة المألوفة رغبة في الغائبة غير المالوفة لا شك أنه شديد جدا وأما الضروريات فهي المحسوسات وأولها المذوقات والاستقراء دل على أن البطنة يذهب الفطنة وتزيل الرقة وتورث القسوة والقياس دل عليه أيضا لان كثرة المراد له سبب لحصول الملكات فاشتغال النفس بتدبير الغذاء من الخارج والداخل شغل شاغل وأمر عائق لها عن الاتصال إلى الجانب الآخر وأما الجوع الشديد فهو يورث ضعف الأعضاء الرئيسة واختلالها وذلك يوجب تشويش النفس واضطراب الفكر واختلال العقل وكل ذلك مانع عن المقصود فإذا لا بد من اصلاح أمر الغذاء وذلك بأن يكون قليل الكمية كثير الكيفية أما قليل الكمية فلئلا يمنعها باشتغالها بالهضم عن التوجه إلى القبلة الأصلية وأما كثير الكيفية فليتدارك بقوتها الخلل الحاصل من قلة كميتها ويجب أن يكون امداده للاعضاء الرئيسة شديدا جدا فإنه ما دامت هذه الأعضاء باقية على كمال حالها لم يظهر كثير خلل من ضعف سائر الأعضاء وثانيها المبصرات واعلم أن الألوان على قسمين مشرقة كالحمرة الناصعة والخضرة والصفرة الفاقعة والبياض اليقق ومظلمة كالسواد والكحلية والعودية وغيرها والنظر إلى الألوان المشرقة يمد الروح ويفرح القلب وتنبسط النفس لما أن النور محبوب الروح ومعشوقه والنظر إلى الألوان المظلمة يكدر الروح ويغم القلب ولذلك يجب أن يكون مسكن المريد وملسه ملونا بالألوان المناسبة لتقوية الروح ليكون النظر إليها متداركا لما حصل من الخلل بسبب شدة الرياضة ثم إن تلك الألوان المشرقة لا ينبغي أن تكون نقوشا دقيقة مخلطة لان النفس تشتغل بتأملها فيزيدها كلالا ولذلك منع الأطباء من نظر المترسمين إلى النقوش ولمثل هذه العلة كلما كان اللون أقرب إلى البساطة والصفاء كان أولى وهو البياض اليقق ولذلك كان أحب الثياب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واعلم أن الأجسام المبصرة على قسمين منها ما النظر اليه يشوق صاحبه إلى معرفة اللّه مع الأمان من توارث الشهوة ومنها ما النظر اليه يفيد معرفة اللّه تعالى لكن لا مع الأمان من الشهوة أما الأول فكالنظر إلى السماء والأرض والجبال والبحار والمعادن فان الانسان إذا تأمل فيها واعتبر دقائق حكمة اللّه تعالى في تركيبها خاض في بحر من المعرفة لا ساحل له ويكون هو في هذه الحالة آمنا من توارث الشهوة وغوائل النفس الامارة وأما الثاني فكالنظر إلى المراكب والمواكب والدور والقصور والولدان والغلمان فان النظر إليها يفيد معرفة حكمة اللّه تعالى لكن لا مع الأمان عن غوائل النفس بل الأكثر توارث الشهوة وانتعاش الطبيعة عند مشاهدتها وحدوث الميل إليها والرغبة في تحصيلها ويصير ذلك قاطعا للمريد عن المطلوب ولهذا السر قال اللّه تعالى أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت فان الاعتبار حاصل بالنظر إلى هذه الأشياء مع الا من عن غوائل الشهوة وأيضا فالاستقراء دل على أن النظر إلى السماوات والأرضين وما فيهما والمكث في قلل الجبال والمواضع الخالية تورث الرقة والتفكر في أمر المعاد والنظر إلى القسم الثاني يورث حب الدنيا والميل إليها ولذلك قال عليه السلام لعائشة رضى اللّه عنها إياك ومجالسة الأغنياء وأما المسموعات فهي اما الألحان المناسبة أو غيرها والأول هو السماع والاستقراء دل على أنه كلما كان القلب مائلا إلى شيء فإنه عند السماع بصير أكثر ميلا اليه وأكثر انقطاعا وتجردا عن غيره لا سيما إذا كانت الألحان مقرونة بشعر مشعر بذلك الغرض ولذلك فان العاشق إذا سمع شعرا لائقا بالأحوال معشوقه ظهر فيه من الوجد والحنين والأنين ما لا يظهر مثله في غير وقت السماع وأما غير السماع فليجتهد المريد من تقليل الكلام ومن تقليل استماعه الا فيما يناسب غرضه أما التقليل من الكلام فهو شاق على النفس وسببه ان الانسان خلق فعالا بالطبع والافعال منها ما يكون مساقة لا يمكن مزاولتها الا بتجشم المؤن والكلف فيكون ذلك صادرا للإنسان عن مقتضى جبلته وهو الفعالية ومنها ما لا يكون كذلك وهو الكلام ولهذا السبب اصطلحوا على ايجاده معرفات لما في الضمائر دون غيره وإذا كان كذلك فتكون الدواعي بأصل الفطرة متوفرة عليه والصارف المذكور زائل فلا جرم كان الامتناع عنه والحالة هذه شديدا اللهم الا عند اعتبار العقل ما فيه من المضار والضابط
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 113 | فخر الدين الرازي