( إشارة [ في ذكر ما هو مبدء حركة العارف وهو الإرادة ]
أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة وهو ما يعترى المستبصر باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الايمانى من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد ) التفسير اعتلقه أي أحبه ثم تقول إذا حصل الاعتقاد في ان السعادة بالاعراض عما سوى اللّه والاقبال على اللّه سواء حصل هذا الاعتقاد بالبرهان أو بالتقليد اقتضى ذلك الاعتقاد إرادة الاعراض عما سوى اللّه والتوجه إلى اللّه فما دام الشخص كذلك يسمى مريدا والتحقيق في هذا الباب ان طالبى هذه الطريقة على أربعة أقسام أحدها الذين ما رسوا العلوم الإلهية واجتهدوا في طلبها والوصول إلى دقائقها بالانظار الدقيقة والافكار العميقة فحصل لهم شوق شديد وانجذاب تام إلى الجانب الا على فحملهم حب الاستكمال في ذلك على الرياضة وثانيها النفوس التي مالت بأصل فطرتها وغريزة جوهرها إلى ذلك الجانب من غير أن يتعلموا علما أو مارسوا بحثا ونظرا حتى أنهم في حال ساذجيتهم متى سنح لهم انقطاع قليل عن المحسوسات اما في سماع أو فكر قليل استولى الوجد عليهم واشتد الحزن فيهم وغشيهم من الأحوال النفسانية والسوانح القدسية ما يذهلهم عن الجسمانيات وعلائقها وثالثها النفوس الموصوفة بالوصفين جميعا أعنى أن يكون بأصل فطرتها جبلت على الحنين إلى جناب العزة ثم استكمل ذلك الشوق بالارتياض بالمعالم الإلهية والمباحث الحقيقية ورابعها النفوس الخالية عن الوصفين ثم إنها لكثرة سماعها كمال هذه الطريقة وان قصارى السعادة البشرية وملاك البهجة الانسانية مرتبط بها مالت إليها واعتقدت فيها فهذه أقسام أربعة لطالبى هذه الطريقة لا مزيد عليها والرياضية اللائقة بكل واحد منها غير اللائقة بالأخرى ونحن نشير إلى معاقد قواعدها لكن بعد تقديم مقدمتين فالمقدمة الأولى ان النفحات الإلهية دائمة مستمرة وان كل من يوصل إليها وصل إليها على ما قال سبحانه والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا المقدمة الثانية انا بينا في سائر كتبنا انه ما قامت دلالة البتة على اتحاد النفوس البشرية في النوع بل الظن الغالب انها قد تكون مختلفة وإذا كان كذلك فربما كان بعض النفوس مستعدا استعداد شديد الهدا المطلب وربما لم يكن مستعدا لها البتة وبين الطرفين طرفي الكمال والعدم أوساط مختلفة بالقوة والضعف وإذا عرفت ذلك فنقول أما القسمان الأولان أعنى التي حصل الشوق لها بالعلم دون الفطرة والتي حصل الشوق لها بالفطرة دون العلم فلكل واحد منهما ما ليس للآخر فلا جرم يخالف كل واحد منهما الآخر في الكسب والمكتسب أما الكسب فلان صاحب العلم الأولى له في الأكثر الحركة والانقطاع عن الخلق لان الحاجة إلى الغير لأجل أن يكون له من يهديه وعن الضلالات يقيه ولا مرشد فوق العلم وأما صاحب الفطرة إذ لم يكن عالما احتاج لا محالة إلى المعلم والمرشد لئلا ينحرف عن سواء السبيل ولا يقع في المتالف والمعاطب وأما المكتسب فلان صاحب العلم إذا اشتغل بالرياضية كانت مشاهداته ومكاشفاته أكثر كمية وأقل كيفية مما لصاحب الفطرة أما انها أكثر كمية فلان قوته النظرية نعينه عليه واما أنها أقل كيفية فلان القوة النفسانية تتوزع على تلك الكثرة وكلما كانت الكثرة أكثر كان توزع القوة إلى أقسامها أكثر فكان كل واحد منها أضعف لما عرفت ان الجزء الأكثر من القوة أقوى وإذا وقفت على ذلك علمت أن الامر في جانب الفطرة بالضد من ذلك وأما القسم الثالث وهو النفس المستجمعة للقوة الفطرية والمعارف الاكتسابية فهي النفس الشريفة الكاملة القدسية التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في ان رياضاتها القلبية يجب أن تكون زائدة في الكم والكيف على رياضاتها البدنية لان المقصود من الرياضات البدنية حصول الرياضات القلبية وإذا حصل المقصود كان الاشتغال بالوسيلة عبثا بل ربما كان عائقا لكن لا بد من المحافظة على وظائف الفرائض لئلا تتعود النفس