أو النافع الحيوانيتين فيطيع ذلك ما انبث في الفصل من القوى المحركة الخادمة بتلك الآمرة ) التفسير مراتب الحركات الاختيارية أربع فان الانسان إذا عقل أو توهم أو تخيل أمرا من الأمور فإن كان ذلك الامر نافعا ولذيذا بحسب الآمر في نفسه أو في اعتقاده انبعث الشهوة حينئذ وهي قوة جالبة للنفع وان كان ضارا أو مؤلما اما بحسب الآمر في نفسه أو في اعتقاده انبعث الغضب وهو قوة دافعة للمؤذى ثم يقبع أيهما كان أعنى الشهوة والغضب حصول اجماع وعزم متأكد من غير فتور ولا تردد ثم يتبع ذلك الاجماع تحريك القوى المبثوثة في العضلات لتلك الأعضاء وبواسطتها تتحرك الآلات فاقرب المحركات القوة العضلية ويليه الاجماع والعزم ويليه الشهوة والغضب ويليه التعقل أو التخيل أو التوهم وللناس في كل واحد من هذه المراتب اختلافات أما المرتبة الأولى وهي القوة المبثوثة في العضلات فمن الناس من أنكرها وزعم أنه لا معنى لهذه القوة الا المزاج المعتدل الذي للاعضاء وهذا عند الفلاسفة باطل قالوا لان المزاج لا معنى له الا حرارة مكسورة وبرودة مكسورة وكيف ما كان فهو من جنس الحرارة والبرودة فيكون مقتضاه من جنس مقتضاهما لا محالة ومقتضى هذه القوة ليس من جنس مقتضى هذه الكيفيات فهذه القوة ليست نفس المزاج وأما المرتبة الثانية وهي الاجماع فمن الناس من أنكره وقال الحيوان متى عقل كون الفعل نافعا أو تخيل ذلك أو توهمه فإنه يكفى ذلك في تحريك القوى المبثوثة في العضلات ولا حاجة إلى توسط هذه المرتبة وأما المرتبة الثالثة وهي الشهوة والغضب فمن الناس من أنكرها وزعم أنه لا معنى للشهوة الا الإرادة الجازمة لنيل اللذة ولا معنى للغضب الا الإرادة الجازمة للانتقام والأكثرون فرقوا بينهما وقالوا إن المريض قد يريد شرب الدواء إرادة جازمة وان كان لا يشتهيه وأما المرتبة الرابعة فهي الشعور بكون الفعل نافعا أو ضارا سواء كان ذلك الشعور مطابقا أو غير مطابق وبعضهم يسمى هذا الشعر رداعيا ثم اختلفوا في أنه هل من شرط الفعل حصول الداعي أي هل من شرط حصوله حصول الشعور بكون ذلك الفعل نافعا أو لذيذا فالأكثرون سلموا ذلك قالوا لان القوى المبثوثة في العضلات صالحة للحركة وضدها فترجح أحد المقدورين على الآخر لا بد فيه من مرجح وهو الداعي والا لزم ترجح الممكن من غير مرجح وهذا محال ومنهم من قال لا حاجة الا هذا الداعي لان الهارب من السبع إذا عن له طريقان متساويان من كل الوجوه فإنه لا بد وان يسلك أحدهما دون الآخر لأنه من المحال ان يقف هناك ليفترسه السبع ومن المحال أن يسلكهما معا ومن المحال أن يسلك الراجح لأنا فرضنا استواءهما في جميع الأمور فلا بدّ وان يسلك أحدهما دون الآخر من غير مرجح وكذلك العطشان حدا إذا خير بين القدحين من الماء متساويين من جميع الوجوه والجائع جدا إذا خير بين رغيفين متساويين من جميع الوجوه وضربوا أمثلة كثيرة من هذا الجنس قالوا ولو احتيل في استخراج ما به يترجح أحدهما على الآخر فنفرض الاستواء في كل تلك الأمور فان كل ضفة حاصلة لاحد الشيئين أمكن حصول مثلها للآخر ولا يجوز أن يقال المرجح هو تعينه وتشخصه الذي لا يمكن أن يشاركه فيه غيره لان متعلق غرضه من لمأكول والمشروب الماهية لا الشخصية فثبت بما ذكرنا ان الفعل لا يتوقف على الداعي واعلم أن الكلام في هذه المراتب الأربعة كثير جدا والمباحث فيها عميقة ولكنا اكتفينا بهذا القدر لئلا يطول الكتاب ولنرجع إلى شرح المتن أما قوله وأما الحركات الاختيارية فهي أشد نفسانية فمعناه ان القوى النباتية لما جعلها من القوى النفسانية مع أنها تشبه القوى الطبيعية في عدم الادراك والشعور فهذه القوى الاختيارية أولى أن تكون نفسانية لما انها لا تحرك الا مع الادراك والشعور وأما قوله ولها مبدأ عازم مجمع فاعلم أن هذه إشارة إلى المرتبة الثانية وهي العزم والاجماع والإرادة الجازمة الخالية عن الفتور وأما قوله مذعنا ومنفعلا عن خيال أو وهم أو عقل فاعلم أن هذا إشارة إلى المرتبة الرابعة وأما قوله ينبعث منها غضب أو شهوة فاعلم أن هذا إشارة إلى المرتبة الثالثة وكأنه قال العزم يتبع الخيال أو الوهم أو العقل حال ما يتبع أحد هذه الثلاثة الشهوة أو
الغضب وحينئذ يكون العزم بالحقيقة تابعا للشهوة والغضب وهما تابعان للخيال أو الوهم أو العقل وأما قوله فيطيع ذلك ما أثبت في الفصل من القوى المحركة الخادمة لتلك الآمرة فاعلم أن معناه انه يطيع ذلك المبدأ العازم المجمع الذي بينا شأنه وصفته فهذه القوى المنبثة في العضلات واعلم أن القوة المحركة في الحقيقة ليست الا هذه القوى العضلية وسائر المراتب فهي بالحقيقة كالآمرة
( المسألة الثالثة ) في ان الفلك متحرك بالإرادة فصل واحد
( إشارة [ في بيان أن الحركات المستديرة الفلكية ]
الجسم