وفي المعقولات معان غير منقسمة لا محالة والا لكانت المعقولات انما تلتئم من مبادلها غير متناهية ومع ذلك فإنه لا بد في كل كثرة متناهية أو غير متناهية عن واحد بالفعل وإذا كان في المعقولات ما هو واحد بالفعل ويعقل من حيث هو واحد فإنما يعقل من حيث ينقسم فاذن لا يرتسم فيما ينقسم في الوضع وكل جسم وكل قوة في الجسم منقسم ) التفسير انه لما بين اثبات الجوهر المفارق على أن النفس الانسانية ليست جسما ولا جسمانيا احتاج إلى اثباته بالبرهان فذكر هاهنا برهانا واحدا يصح منه ما بناه عليه ثم ذكر سائر البراهين على ذلك في مسئلة النفس لان ايراد مسئلة النفس في النمط المترجم بالتجريد أولى من ايرادها في هذا النمط وإذا عرفت ذلك فنقول الشيء الذي لا يكون منقسما قد تقارنه أمور كثيرة ولا يلزم من مقارنته لها صيرورتها منقسما ولكن بشرط أن لا تكون تلك الأمور الكثيرة متميزة في الوضع أما إذا كانت تلك الأمور متميزة في الوضع مثل أجزاء البلقة فان السواد متميز في الوضع والإشارة من البياض فمثل هذه الكثرة يستحيل أن تكون مقارنة لشيء لا يقبل الانقسام أو يقارنها شيء لا يقبل الانقسام واعلم أن الشيخ لم يصحح هذه الدعوى بالحجة ولا بد منها فنقول الشيء المنقسم في الوضع لو كان به شيء غير منقسم لا يخلو اما أن بوجد في أجزاء ذلك المنقسم شيء من غير المنقسم أولا يوجد وان لم يوجد كان جميع أجزائه خالية عن ذلك المقارن فلا يكون المقارن بمقارن هذا خلف وان وجد في تلك الأجزاء شيء من ذلك المقارن فلا يخلو اما أن يوجد المقارن بتمامه في كل واحد واحد من تلك الأجزاء أو يكون الموجود منه في كل جزء غير ما وجد في الجزء الآخر والأول باطل اما أولا فلانه يلزم أن يكون ذلك الشيء حاصلا في ذلك المنقسم لا مرة واحدة بل مرارا غير متناهية لان ذلك المنقسم قابل للانقسام إلى أجزاء غير متناهية واما ثانيا فلان ذلك المقارن لما استحال كونه مقارنا لكل ذلك المنقسم بل لا يمكن الا أن يكون مقارنا لكل واحد من أجزاء ذلك المنقسم ثم إن كل واحد من أجزاء ذلك المنقسم أيضا منقسم فهو إذا غير موجود في شيء من أجزاء المنقسم والثاني أيضا باطل لأنه إذا كان الموجود من كل واحد من الاجزاء غير ما وجد في الآخر لم يكن الشيء الواحد حاصلا في المنقسم بل اما أشياء كثيرة أو أجزاء شيء واحد وعلى التقديرين يخرج منه أن الشيء الواحد لا يقارنه شيء منقسم في الوضع وهذه الحجة على ظهورها منقوضة بالنقطة فإنها غير منقسمة فهي ان كانت متجزئة فقد ثبت الجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل وبتقدير ثبوته فهو يبطل أصل البرهان لان المطلوب من هذا الفصل بيان أن من العلوم ما يستحيل عليه القسمة وكل متحيز منقسم فإذا محل العلوم شيء ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز فإذا أثبتنا متحيزا غير منقسم بطل الدليل وأما ان لم يكن متحيزا كان عرضا فله محل ومحله ان لم يكن منقسما عاد الانتهاء إلى الجزء الذي لا يتجزأ أو قيام كل عرض بعرض لا إلى نهاية ومع ذلك فلا بدّ من محل غنى عن محل آخر والا لكانت الاعراض المتناهية أو غير المتناهية موجودا لا في محل فحينئذ لا تكون نهاية الخط موجودة فيه فلا يكون للخط المتناهى نهاية وهذا خلف وأما ان كان محل النقطة شيأ منقسما لم يلزم من حلول الشيء في المنقسم كونه منقسما وعند هذا لا ينفع ما يقال من أن النقطة وان كان حلوله في المحل الا انها غير سارية فيه ونحن انما نوجب انقسام الحال لانقسام المحل لأجل ان ذلك الحلول حلول مخصوص لا يقتضى الانقسام ولم يمكنكم القطع على أن العلم لوحل في الجسم لا يقسم بانقسامه لاحتمال أن يكون حلوله فيه لا على وجه الزمان وبالجملة لا يكون حالا فيه حلولا لا يقتضى الانقسام وحينئذ تبطل الحجة ولمجيب أن يجيب ويقول النقطة نهاية الخط وهي أمر عدمي فاندفع الاشكال واعلم أن الكلام في أن النقطة أمر وجودي أو عدمي طويل وان كان الأظهر المشهور كونه وجوديا ومن الشكوك أن الوحدة عرض غير قابل للقسمة ثم إنها حالة في الجسم والإضافة أيضا غير قابلة للانقسام لأنا نعلم بالضرورة أنه يستحيل أن يقال إن
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 163
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٣