تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
موجودة في أنفسنا كانت الصور الموجودة فيها موجودة في أنفسنا فيعود المحال وان لم يكن موجودا في نفوسنا فهو موجود مباين عن نفوسنا ويجب أن يكون بحيث تفيض عنه هذه الصور على نفوسنا عند اتصال نفوسنا به وذلك الشيء يجب أن يكون عقلا بالفعل وهو العقل الفعال وإذا عرفت ذلك فنقول أصل الحجة يرجع إلى أن الانسان يصير عالما بعد ما لم يكن فلا بد له من سبب وذلك السبب يجب أن يكون عقلا بالفعل وإذا كان كذلك فنقول انه حاجة في تقرير هذه الحجة إلى شيء من المقدمات المذكورة لان محل تلك العلوم سواء كان جسما أو جسمانيا فإنه لا يختلف به الغرض وكيف كان فإنه قد صار عالما بعد ان لم يكن وذلك لا بد له من سبب فهذا ظاهر لا شك فيه انما الشان في قوله ان ذلك السبب يجب أن يكون عقلا بالفعل فلم قال ذلك وبأي برهان ذهب اليه وغاية ما يمكن أن يقال في تقريره ان السبب المعطى لهذه العلوم يجب أن يكون عنده هذه العلوم وكل من عنده هذه العلوم فإنه يجب أن يكون مجردا وهاتان المقدمتان لا بد لهما من البرهان فإنه ليس كل من أثر في شيء وجب أن يكون ذلك الأثر حاصلا له فان العقل الفعال عندهم هو علة حدوث كل الحوادث في عالمنا هذا من الألوان والصور والمقادير والاشكال فإنه يجب أن يكون موصوفا بكل الألوان وبكل المقادير وبكل الاشكال فثبت انه لا يلزم من كون الشيء مؤثرا في الشيء أن يكون موصوفا بمثل ذلك الأثر فاذن لا يجب أن يكون سبب حدوث العلم فينا عالمنا وأما المقدمة الثانية فلانا وان سلمنا ان السبب المعطى للعلم يجب أن يكون عالما لكن لم قلتم ان ذلك العالم يجب أن يكون جوهرا عقليا ولم لا يجوز أن يكون مبدأ حدوث هذه الصور جوهرا نفسانيا أعنى ان ذلك الجوهر وان لم يكن جسما ولا حالا في الجسم الا أنه يكون متعلقا بالأجسام فان مثل هذا الجوهر لا شك انه قد يكون عاقلا فيجوز أن يكون سبب حدوث هذه العلوم في النفس نفس العلم أو نفس انسان آخر وشيء من النفوس الفلكية وعلى هذه التقديرات لا يجب أن يكون هاهنا جوهر عقلي محض مجرد من كل الوجوه ويكون هذا السبب لحدوث هذه العلوم فينا فظهر ان المقدمات المذكورة في هذا الفصل غير نافعة في المطلوب وأن المقدمات النافعة غير مذكورة وهاهنا بحث آخر وهو أن ما ذكره لو صح لما افترق الحال فيه بين النفس الناطقة وبين الوهم فان المعاني التي يدركها الوهم إذا صارت مخزونة فانا لا نعنى بذلك أن تلك الأمور التي كانت موجودة في القوة الوهمية انتقلت بعينها إلى الخزانة فان انتقال الصور والاعراض محال بل نعنى به انه يحدث مثل تلك الصور في الخزانة ثم إذا طالعها الوهم فانا لا نقول إن تلك الصور الحالة في الخزانة انتقلت بعينها إلى الوهم فإنه محال بل نعنى به انه يحدث مثلها في الوهم وإذا كان كذلك فالوهم إذا أدرك معنى ثم إنه يغيب عنه ثم يعود إلى مطالعته فإنه لا بد هاهنا من شيء مباين يكون علة لحدوث تلك المعاني الوهمية ويكون حدوث تلك المعاني في الوهم من ذلك المباين انما يكون لاتصال من الوهم بذلك المباين وأعنى بالاتصال استعدادا تاما يحدث فيه لسبب من الأسباب الخارجية لأجله يحدث من ذلك المباين تلك الصورة فيه فثبت انه لا فرق بين العقل والوهم في هذا المعنى من هذا الوجه وان كان بينهما فرق من وجوه أخرى واعلم أن السبيل إلى اثبات العقل الفعال ان يقال إن هذه العلوم لما حدثت فلا بد لها من سبب وذلك السبب يجب ان لا يكون جسما ولا جسمانيا لما سيأتي ان الجسم أو الجسماني لا يمكن أن يكون موجودا وإذا كان قديما بذاته وجب ان يكون عاقلا لذاته ولغيره بالطرق المذكورة في هذه المسألة ثم إن ذلك الشيء ليس هو اللّه تعالى لان الواحد لا يصدر عنه الا واحد فلا بد من شيء آخر فهذا هو الطريق إلى اثبات هذا المطلوب وان كان في كل واحد من مقدماته بحث طويل

( إشارة [ في بيان كيفية حصول اتصال النفس بالعقل الفعال ]

هذا الاتصال علته قوة بعيدة هي العقل الهيولاني وقوة كاسبة هي العقل بالملكة وقوة تامة الاستعداد لها ان تقبل بالنفس إلى جهة الاشراق متى شاء بملكة متمكنة وهي المسماة بالعقل بالفعل ) التفسير لما بين ان صيرورة النفس عالمة بالأشياء بعد ما لم تكن كذلك لأجل اتصالها بالعقل الفعال وهذا الاتصال أيضا أمر حادث ولا بد له من علة لا جرم تكلم هاهنا في علة ذلك الاتصال ثم قد علمت أن المراد من هذا الاتصال صيرورة النفس مستعدة استعدادا تاما لقبول تلك العلوم وهذا الاستعداد له علة قابلية وهي العقل الهيولاني وعلة كاسبة وهي العقل بالملكة والمعنى بكونها كاسبة ان حدوث ذلك الاستعداد في جوهر النفس لأجل حصول تلك العلوم البديهية فيه وأما كمال الاستعداد فإنها يحصل للنفس إذا صارت بحيث متى شاءت استحضار تلك العلوم فإنها تحضر وكونها كذلك انما يكون بملكة متمكنة من جوهرها وهي المسماة بالعقل