على مقدمات أولها ان الشيء الذي منا يحل فيه العلوم العقلية ليس بجسم ولا جسماني وانما يحتاج إلى هذه المقدمة حتى يتبين امتناع وجود خزانة متحفظ فيها الصور المنمحية عن العقل وثانيها ان الادراكات الخمسة الباطنة حاصلة لقوى جسمانية وانما احتجنا إلى هذه المقدمة حتى يمكن اثبات خزانة يتحفظ الصور المنمحية فيها وثالثها ان شعور القوة بما يدركه هو نفس ارتسام ذلك المشعور به واحتج على ذلك بقوله أرأيت لو غابت القوة عن تلك الصورة ثم عاودتها والتفتت إليها هل يكون قد حدث هناك غير تمثلها ولقائل أن يقول أنا ألزم ذلك ولا يكفى في ابطاله مجرد الاستفهام على سبيل الانكار لا سيما وقد مضت الأدلة القاهرة على اثبات ذلك وانما احتجنا إلى هذه المقدمة حتى تبين ان النفس متى كانت غافلة عن الصور المعقولة فان تلك الصور لا يمكن أن تكون موجودة فيها إذ لا معنى لتعقلها الا نفس حصولها فيها فيستحيل غفلتها عنها عند حصولها فيها ورابعها ان القوى المدركة الباطنة لها خزانة للحفظ فيها ما يغيب عنها فان الحس المشترك خزانته الخيال والوهم خزانته الحافظة ثم إن ما يزول عن الحس والوهم من الصور أمور فقد يكون ذلك ان تلك الصور يتحفظ في خزانة الحس والوهم وقد لا يكون كذلك فإن كان الأول صارت تلك الأمور لائحة حاضرة عند اقبال القوتين المدركتين أعنى الحس المشترك والوهم الا بتجشم كسب جديد ولقائل أن يقول انا قد أعرضنا على هذه الأصول فيما مضى ولكنا نقول الآن انها بتقدير الصحة مناقضة للمقدمة الثالثة لان المعاني الوهمية حين ما تكون متحفظة في الخزانة إذا لم يكن مشعورا بها وحين ما تكون في القوة الوهمية يكون مشعورا بها وكذا الصور المحسوسة حين ما يكون متحفظة في الخيال إذا لم يكن مشعورا بها وحين ما تكون في الحس المشترك مشعورا بها فلو لا ان الشعور بالشيء مغاير لمجرد حصول ذلك الشكل له والا لكانت الخزانة شاعرة بتلك المعاني لأنها حاصلة فيها فلئن قالوا الشعور ليس عبارة عن حصول المشعور به للشيء مطلقا بل للقوة الشاعرة والخزانة وليس لها قوة شعور فنقول ان هذا الشعور ان كان هو مجرد الحصول كان الشاعر ماله الحصول وحينئذ يعود الالزام وان كان غيره فقد توجه الكلام وإذا ثبت ان الشعور مغاير للحصول بطلت المقدمة الثالثة وثبت انه لا يلزم من حصول هذه الصور في النفس كأنها شاعرة بها فاذن لا يلزم من عدم شعور النفس بها عدم حصولها في النفس وخامسها ان خزانة القوة يجب أن تكون مغايرة للقوة وهذه المغايرة لا تحصل الا إذا كانت القوة موجودة في جسم وخزانتها تكون موجودة في جسم آخر ولما كان الحس المشترك والوهم قوتين جسمانيتين صح أن يكون لهما خزانتان مغايرتان لهما وأما النفس الناطقة لما لم تكن جسمانية استحال أن تكون لها قوة تكون خزانة لها فان قيل لم لا يجوز أن يكون للنفس قوتان إحداهما أن تكون مدركة والأخرى تكون خزانة لها كما أن لها قوتين عملية ونظرية فنقول القوة التي هي خزانة النفس اما أن تكون موجودة فيها أو مباينة عنها فان كانت موجودة فيها كانت الصور الموجودة في تلك القوة موجودة للنفس فيعود المحال وان لم تكن موجودة في النفس كان شيأ مباينا عن النفس ويجب أن لا يكون جسما ولا جسمانيا لان محل الصور العقلية هكذا يجب أن يكون وذلك هو الذي نطلبه وإذا ثبت هذه المقدمات فنقول كما أن زوال المعاني الوهمية قد يكون بحيث لا يحتاج في استحضارها إلى تجشم كسب جديد وقد يحتاج فيه إلى ذلك كذلك زوال الصور العقلية عن العقل قد يكون بحيث يحتاج في استحضارها إلى تجشم كسب جديد وقد لا يكون كذلك وقد ذكرنا ان عدم الحاجة إلى تجشم كسب جديد في المعاني الوهمية لان تلك المعاني كانت محفوظة في قوة هي خزانة الوهم وذكرنا انه يمتنع أن يكون للنفس الناطقة خزانة وذكرنا أيضا ان تلك الصور العقلية يمتنع أن تكون باقية في النفس عند غفلة النفس عنها فلم يبق الا ان هاهنا موجودا خارجا عن جوهرها تكون الصور العقلية موجودة فيه فإذا حصل بين نفوسنا وبينه اتصال ما ارتسم من ذلك الجوهر في نفوسنا الصور العقلية الخاصة بذلك الاستعداد وإذا أعرضت عنه النفس إلى شيء آخر اما إلى لبدن واما إلى صورة أخرى زالت الصورة
تمثلت أولا ومثال النفس المرآة المتخيلة فإنه متى حوذى بها شيء آخر زالت الصورة الأولى وإذا عرفت ذلك فنقول الشيء الذي منه تفيض على نفوسنا هذه الصور العقلية هو العقل الفعال فهذا حاصل الكلام في هذا الفصل ولنحرر هذه الحجة على طريق التقسيم فنقول انا إذا علمنا شيأ فقد حصلت فينا فإذا غبنا عن ذلك المعلوم استحال أن تكون حقيقته باقية فينا إذ لا معنى للعلم الا حصول تلك الصور في النفس فمتى كانت تلك الصور باقية في النفس استحال أن لا تكون النفس شاعرة بها ثم إن تلك الصور اما أن تكون متحفظة في قوة أخرى وهي خزانة لأنفسنا وانه محال لان تلك الخزانة ان كانت
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 159
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥٩