الكبيرة فإنه لا بد وان يختلط البعض بالبعض اللهم الا أن يقال إن موضع كل صورة منها غير موضع الأخرى وحينئذ يلزم غاية صغر تلك المحال مع عظم تلك الصورة وهو باطل وأيضا فإذا كان موضع كل مغايرة لموضع الأخرى لم يكن هناك شيء واحد يكون هو بعينه مدركا لهذه الصورة ولتلك الصورة فلا يكون الحاكم بان هذه الصورة غير تلك الصورة مستحضرا للصورتين ولا مدركا لهما وانه باطل بالبديهة وبالاتفاق أما قوله وأيضا فان الحيوانات ناطقها وغير ناطقها يدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس مثل ادراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس وادراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس ادراكا جزئيات يحكم به بحكم الحس بما نشاهده فعندك قوة هذا شأنها فاعلم أن هذه هي القوة المسماة بالوهم وهي القوة التي تدرك معاني جزئية غير محسوسة موجودة في المحسوسات مثل ادراك الشاة عداوة حركة موجودة في الذئب المعين وادراك الكبش معنى جزئيا غير محسوس في النعجة وكما أن الحس المشترك كان متعلقا بصور المحسوسات فهذه القوة متعلقة بهذه المعاني الجزئية الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات واعلم أن هاهنا بحثين البحث الأول في بيان المغايرة بين هذه القوة وبين الحس المشترك والخيال وليس لهم هاهنا حجة سوى ان القوة البسيطة لا تقوى على نوعين من الادراك لان الواحد لا يصدر عنه الا الواحد وهذه المقدمة ممنوعة ثم بتقدير المساعدة عليها فلا بد من بيان ان المدرك لهذه الأشياء هو النفس ولم أر للشيخ فيه كلاما في كتبه المطولة الا أنه لما احتج على أن المدرك لهذه المحسوسات ليس النفس قال ولما ثبت ذلك ثبت أن المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات لا يجوز أن تدركها الا قوة جسمانية وأجود وجه يمكن أن يقرر به هذا الكلام أن يقال العداوة الموجودة في هذا الذئب اما أن تدرك من حيث إنها موجودة في هذا الذئب أولا من حيث إنها موجودة في هذا الذئب وان كان الأول لزم أن يكون المدرك لها من حيث إنها ذلك الذئب مدركا لذلك الذئب جسم أو جسماني فالمدرك لتلك العداوة أيضا يجب أن يكون جسما أو جسمانيا واما ان أدركت العداوة لا من حيث إنها في ذلك الذئب كان ذلك ادراكا للعداوة من حيث إنها عداوة والعداوة من حيث إنها عداوة أمر كلى وليس كلامنا فيه بل في العداوة الجزئية هذا أحسن ما اعتمد عليه في تمشية ما ذكره الشيخ وهو ضعيف لأنا نقول المدرك لهذه العداوة الجزئية اما أن يجب أن يكون مدركا لذلك الذئب أو لا يجب فان وجب فحينئذ يكون المدرك لذلك الذئب هو المدرك لتلك العداوة لكن المدرك لذلك الذئب هو الحس المشترك أو الخيال فاذن المدرك لتلك العداوة هو الحس المشترك أو الخيال فإذا عقل ذلك في صورة فليعقل مثله أبدا فحينئذ لا يمكننا أن نقطع بان المدرك لهذه المعاني الجزئية ليس هو المدرك للصورة الجزئية واما ان لم يجب أن يكون المدرك لتلك العداوة مدركا لذلك الذئب لم يلزم من كون المدرك للذئب جسمانيا أن يكون المدرك لتلك العداوة جسمانيا فعلى التقدير الأول يجوز أن يكون المدرك لهذه المعاني هو الحس المشترك أو الخيال وعلى التقدير الثاني يجوز أن يكون المدرك هو النفس فسقطت حجتهم على اثبات هذه القوة البحث الثاني انى إذا أدركت صداقة بيني وبين ولدى فلمنازع أن ينازع في كون ذلك المدرك جزئيا وذلك لان المدرك هو الصداقة التي بيني وبين ولدى وان كانت في نفسها جزئية ولكني لا أشعر بها الا من حيث هي كلية فانا لو قدرنا انعدام تلك الصداقة التي بيني وبين ولدى وحدوث مثلها عقيبها لكانت الصداقة التي بيني وبين ولدى لا يمنع نفس تصورها من وقوع الشركة فيها فهي كلية بل الموجود في الخارج أمر جزئي وفي أمر جزئي وهو الذئب المعين ولكن القدر الذي أعرفه منها أمر كلى كما أن من علم أن في هذا البيت انسانا واحدا كان معلومه أمرا كليا لان الانسان الذي في ذلك البيت يمكن أن يكون مقولا على كثيرين على سبيل البدل وان كان ذلك الانسان في نفسه جزئيا بل لو ثبت انى لا أشعر بالصداقة التي بيني وبين ولدى بل اشعر بهذه الصداقة التي بيني وبين ولدى لكان على هذا التقدير يظهر ان مدرك الوهم أمر جزئي وذلك مما يعد اثباته فان الصداقة أمر غير مشار
اليه بالحس فكيف يمكن أن يقال إن الانسان بل جميع الحيوانات لا يشعرون الا بتلك الصداقة من حيث إنها تلك الصداقة فهذا موضع بحث يجب ان يتأمل فيه وأما قوله وأيضا فعندك وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه المعاني بعد حكم الحاكم بها غير الحافظة للصور فاعلم أن هذه هي القوة الذاكرة وهي خزانة الوهم والكلام نقيا واثباتا ما مضى في الخيال وأما قوله ولكل قوة من هذه القوى آلة جسمانية خاصة واسم خاص فالأولى منها هي المسماة بالحس المشترك ونبطاسيا وآلتها الروح المصبوب في مبادى عصب الحس لا سيما في مقدم الدماغ والثانية المسماة بالمصورة والخيال وآلتها الروح المصبوب في البطن المقدم لا سيما في الجانب الأخير وثالثها الوهم وآلتها الدماغ كله
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 150
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥٠