تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
عند الوسط عظمت قدرته ) التفسير انه لما تكلم في الادراك وفي أصنافه أراد أن يتكلم بعد ذلك في القوى المدركة وبدأ فيها بالقوى الحيوانية وترك الحواس الظاهرة اما أوّلا فلان الحواس الظاهرة لا نزاع في وجودها في الجملة وانما النزاع في تفصيل القول في كل واحد منها بخلاف القوى الباطنة فان النزاع واقع في وجودها وأما ثانيا فلانه لا فائدة في البحث عن الحواس الظاهرة الا معرفتها فقط وأما البحث عن القوى الباطنة فإنه ينتفع به في البحث عن أحوال النبوة والوحي والاخبار عن الغيوب على ما سيأتي في النمط العاشر من هذا الكتاب فلا جرم أهمل البحث عن الحواس الظاهرة وتكلم في القوى الباطنة واعلم أن القوى الباطنة الدراكة للجزئيات خمسة وبيانه على سبيل الحصر ان القوى الباطنة الدراكة للجزئيات اما أن تكون مدركة فقط أو متصرفة أيضا فان كانت مدركة فاما أن تكون مدركة للصورة الجزئية مثل تخيلنا لصورة زيد بعد غيبته عنا أو مدركة للمعاني الجزئية مثل ادراك الواحد منا الصداقة التي بينه وبين شخص معين أو العداوة التي بينه وبين شخص آخر ولكل واحد من هاتين القوتين قوة أخرى هي خزانتها فالقوة المدركة للصور المحسوسات هي المسماة بالحس المشترك والقوة التي تكون خزانة لها هي المسماة بالخيال والقوة المدركة للمعاني الجزئية هي المسماة بالوهم والقوة التي تكون خزانة لها هي المسماة بالحافظة واما القوة المتصرفة فهي التي تسمى متخيلة عند استعمال الوهم إياها ومفكرة عند استعمال العقل إياها فهذا تفصيل القول في إفادة تصور هذه القوى ويبقى النظر بعد ذلك في أمرين أحدهما إقامة البرهان على وجودها فان هذه الأصناف من الادراكات وان كنا نعلم بالضرورة وجودها الا انه من المتحمل أن يكون هناك قوة واحدة تحصل لها هذه الادراكات المختلفة بحسب الاختلافات وثانيهما معرفة مواضعها ولنرجع إلى تفسير المتن اما قوله لعلك تنزع الآن إلى أن نشرح لك أمر القوى الدراكة من ناظر أدنى شرح وان نقدم أمر المناسبة للحس أولا فاسمع فاعلم أنه لما كانت ادراكات الحواس الظاهرة أظهر الادراكات فكل ما كان أقرب إليها كان أظهر وقد عرفت ان التعليم الجيد أن يبدأ من الأظهر مترقيا إلى الاخفى لا جرم قدم اثبات القوة المناسبة للحس الظاهر وهي المسماة بالحس المشترك على سائر القوى وأما قوله أليس قد تبصر القطرة النازلة خطا مستقيما والنقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا كله على سبيل المشاهدة لا على سبيل تخيل أو تذكر وأنت تعلم أن المبصر انما يرتسم فيه صورة المقابل والمقابل النازل أو المستدير كالنقطة لا كالخط فبقى اذن في بعض أقوال هيئة ما ارتسم بها أولا واتصل بها هيئة الابصار الحاضرة فنعدك قوة قبل البصر إليها يؤدى البصر كالمشاهدة وعندها تجمع المحسوسات فيدركها فاعلم أن المقصود من هذا الكلام إقامة الدلالة على اثبات القوة المسماة بالحس المشترك وهي القوة التي تجتمع فيها صور الأشياء المحسوسة الحواس الخمسة والدليل على ثبوتها انا نرى القطر النازل خطا مستقيما والنقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا فهذا الخط المشاهد لا بد وان يكون له وجود فان العدم الصرف لا يكون مشاهدا محسوسا لكنه ليس وجودا في الخارج فهي إذا موجودة في قوة من قوى من أبصر ذلك وليس محله البصر لان البصر انما ترتسم فيه صورة الشيء الموجود في الخارج فهذا الخط لا وجود له في الخارج فاذن لا بد من قوة أخرى وليست هي النفس لاستحالة انطباع الصور الجزئية الجسمانية في النفس فهي إذا قوة أخرى جسمانية وهي المسماة بالحس المشترك وهذه القوة انما بصرت القطرة على شكل الخط لأنها تحصل منها صورة تلك القطرة عند كونها في مكان ثم قبل زوال تلك الصورة عنها تحصل منها صورة كونها في مكان آخر يلي المكان الاوّل وإذا اجتمعت الصورتان في تلك القوة أحست تلك القوة بذلك الشيء كالخط ولقائل أن يقول له لم لا يجوز أن يكون الخط المستقيم المشاهد موجودا في الخارج بيانه انه يحتمل أن يقال إن الفطرة حين ما تكون في مقام فان الهواء المحيط يتشكل بشكله ثم إنها انقلبت وحصلت في جزء آخر من الهواء الذي يلي الجزء الاوّل فإنه يتشكل ذلك الجزء من الهواء لذلك الشكل مثل زوال ذلك الشكل من الجزء الاوّل من الهواء وهكذا القول في سائر الأجزاء الهوائية فلما بقي ذلك الشكل في الاجزاء الهوائية المتجاورة لا جرم رؤيت القطرة خطا وهذا عين ما ذكرتموه في سبب ادراك الحس المشترك لتلك القطرة على سبيل الخط وبالجملة فهم مطالبون بإقامة البرهان على أن ما ذكروه في الحس المشترك يمكن مثله في الهواء ثم انا نبين ان الاحتمال الذي ذكرناه أولى مما ذكروه لأنه لو جاز في بعض ما نشاهده أن لا يكون موجودا في الخارج لجاز مثله في جميع المشاهدات وذلك يوجب ارتفاع الأمان عن وجود المحسوسات وهو سفسطة وجهالة لا يقال الهواء شفاف لا يتلون بلون غيره إذ لو جاز ذلك لوجب في الهواء لمحسوس المحصور بين جداري الصفة أن يتلون بلون ذلك الجدار وأيضا فبتقدير المساعدة على