وأما ما هو في ذاته برى عن الشوائب المادية واللواحق الغريبة التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته فهو معقول لذاته ليس يحتاج إلى عمل يعمل به بعده لان يعقله ما من شأنه أن يعقله بل لعلة في جانب ما من شأنه أن يعقله ) الشرح لما تكلم في أصل الادراك شرع بعده في بيان أصناف الادراكات وبيان ذلك ان الشخص المعين اما أن يدرك بحيث يمنع نفس ادراكه من أن يكون معقولا على كثيرين أو يدرك بحيث لا يمنع نفس ادراكه من ذلك والاوّل لا يخلو اما أن يتوقف حصول ذلك الادراك على وجود ذلك المدرك في الخارج أو لا يتوقف فهذه أقسام ثلاثة أولها الادراك الذي يجتمع فيه الأمران وهو أن يكون مانعا من الشركة ويكون متوقفا على وجود المدرك في الخارج وهذا هو ادراك الحس فانى إذا أبصرت زيدا فالمبصر يمنع لذاته من أن يكون مشتركا فيه بين كثيرين وهذا الابصار لا يحصل الا عند حصول المدرك في الخارج وثانيها أن يحصل فيه أحد الوضعين دون الثاني فيكون مانعا من الشركة ولكنه لا يتوقف على الوجود الخارجي وهو التخيل فانى إذا شاهدت زيدا ثم غاب عنى فانى أتخيله على ما هو عليه من الشخصية فنفس ما تخيلته بمنع من الشركة ولكن هذا الادراك لا يتوقف على وجود المدرك في الخارج فإنه يمكنني أن أتخيله بعد عدمه وثالثها أن يخلو عن الوضعين جميعا فلا يكون مانعا من الشركة ولا موقوفا على وجود المدرك في الخارج وهو المسمى بالادراك العقلي فان قيل ادراك الوهم خارج عن هذا التقسيم قلنا تقسيمنا يتناول ادراك الاشخاص والوهم غير متعلق بالاشخاص فلا يقدح فيما ذكرناه وإذا عرفت صحة الحصر ولنتكلم على كل واحد من هذه الاقسام فنقول أما الادراك الحسى والخيال فإنهما لا يتعلقان بالماهية الا عند كونها مقارنة لمادة معينة ولاعراض مشخصة وذلك لان متعلقهما ان كان هو الماهية من غير قيد زائد كان متعلق كل واحد منهما أمرا لا يمنع نفس تصوره من الشركة وهذا هو القسم الثالث الذي سميناه بالادراك العقلي وان كان هو الماهية مع
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 139
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٣٩