تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
قيود زائدة مشخصة فذلك هو الذي أوردنا بقولنا انهما لا يتعلقان بالماهية الا عند كونها مقارنة لمادة جزئية واعراض جزئية وأما الادراك العقلي فإنه يجب أن يكون مجردا عن جميع اللواحق والعوارض لان الصورة العقلية لما كانت مشتركا فيها بين الاشخاص ذوات الصفات المختلفة وجب أن يكون لها شيء من تلك الصفات والا لم يكن مشتركا فيها بين كل تلك الأمور ولقائل أن يقول ما ذكرتموه ينفى كون الكلى موصوفا بعارض جزئي ويلزم من هذا القدر أن لا يكون ملحوقا بشيء من العوارض لان العارض الجزئي أخص من مطلق العارض ولا يلزم بطلان العام من بطلان الخاص فلم لا يجوز أن يكون الكلى ملحوقا بلواحق كثيرة كلية وهنا البحث وان كان مفيدا الا ان هاهنا بحثا آخر قريبا من ذلك وهو أكثر فائدة منه وذلك أنه كثيرا ما يجرى في كتبهم في هذا الموضع ان العقل ينزع من الاشخاص الجزئية صورة كلية مجردة عن جميع اللواحق والعوارض وهذا فيه نظر من وجهين الاوّل ان الصورة التي تحصل في العقل لا بد وأن تكون صورة جزئية حالة في نفس جزئية حلول العرض في الموضع فتشخص تلك الصورة وعرضيتها وحلولها في تلك النفس ومقارنتها السائر الصفات القائمة بالنفس عوارض غريبة عن ماهية الانسان بدليل ان الاشخاص الانسانية الموجودة في الخارج غير موصوفة بشيء من هذه الصفات ولو كانت هذه الصفات داخلة في ماهية الانسان لاستحال الانفكاك عنها وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقال إن العقل يقدر على أن ينزع من المحسوسات صورة مجردة عن جميع العوارض واللواحق والعلائق مع انا بينا ان تلك الصورة موصوفة لا محالة بهذه العوارض الثاني وهو ان مدرك العقل انما هو القدر المشترك بين الاشخاص الانسانية وهذه الصورة الموجودة في العقل غير مشترك فيها بين الاشخاص لأنها ليست جزأ فيها فإنه كيف يجوز أن يقال العلم بنفس زيد جزء من ماهية جميع أشخاص الناس مع أنهم كانوا موجودين قبل وجود هذه الصورة وسيكونون موجودين بعد عدمها فثبت ان الصورة الموجودة في العقل يستحيل أن تكون مجردة عن جميع اللواحق الغريبة وأن تكون كلية مشتركا فيها بل التحقيق ان الاشخاص الانسانية مشتركة في الانسانية ومتباينة في سائر الاعتبارات من الشكل والوضع والمقدار وما به الاشتراك عن ما به لامتياز فالإنسانية مغايرة لا محالة للاشكال والمقادير ثم إن الانسان الطويل مثلا موجود في الخارج وهو عبارة عن الانسان الموصوف بالطويل ومتى كان المركب موجودا في الخارج كانت المفردات موجودة أيضا فاذن الانسان من حيث هو انسان في الخارج وهو أيضا في نفسه مجرد عن اللواحق لان ما به لامتياز إذا كان خارجا عن الانسان الذي به الاشتراك كان الانسان من حيث هو انسان فقط لا طويلا ولا قصيرا ولا عالما ولا جاهلا بل هو انسان فقط وإذا عرفت ذلك فالعلم المتعلق بالانسان من حيث هو انسان هو العلم الكلى المجرد لان العلم في ذاته كلى أو مجرد بل لان العلم به كلى ومجرد فلهذا السبب سمى المتقدمون مثل هذا العلم كليا ومجردا على طريق المجاز تعويلا على فهم المتعلمين فلما نظر المتأخرون في كلامهم ولم يقفوا على اغراضهم ظنوا ان في العقل صورة مجردة وكلية وليس الامر على ما ظنوه بل التحقيق ما ذكرناه ولنرجع إلى شرح المتن اما قوله الشيء قد يكون محسوسا عندما يشاهد ثم يكون متخيلا عند غيبته يتمثل صورته في الباطن كزيد الذي أبصرته مثلا إذا غاب عنك فتخيلته فاعلم أنه لما كان أظهر الادراكات الاحساس ويليها التخيل وأخفاها الادراك العقلي لا جرم بدأ الشيخ بذكر الحس أثنى بالتخيل وثلث بالعقل ولما كان أظهر الادراكات الحسية الابصار لا جرم ذكر في مثال الادراك الحسى الابصار وأما قوله وقد يكون معقولا عندما يتصور من زيد مثلا معنى الانسان الموجود لغيره فاعلم أن ذلك بيان منه ليكون المدرك بالادراك العقلي أمرا مشتركا فيه بين الاشخاص وأما قوله وعندما يكون محسوسا فقد غشيته غواش غريبة عن ماهيته لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته مثل أين وكيف ووضع ومقدار بعينه لو توهم بدله غيره لم يؤثر في حقيقة ماهية انسانيته فاعلم أنه لما ذكر أقسام الادراك شرع في ذكر أحكامها وبدأ بأحكام ما بدأ به التقسيم وهو الاحساس فذكر ان الشيء انما يكون
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 140 | فخر الدين الرازي