تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
أجزاء الجملة فثبت بما ذكرنا ان الانسان قد يعلم أينيته حال ما يكون غافلا عن بدنه وعن جميع اجزائه والمعلوم غير ما ليس بمعلوم فاذن هوية الانسان ليس بجسم وإذا لم يكن جسما لم يكن من الأمور التي يدرك الحس ولا بالقوة التي يشبه الحس وما يناسبه من الخيال

( وهم وتنبيه [ في أن إثبات الذات لا يكون بمعلولاته ]

ولعلك تقول انما أثبت ذاتي بوسط من فعلى فيجب إذا ان يكون لك فعل تثبته في الفرض المذكور أو حركة أو غير ذلك ففي اعتبارنا الفرض المذكور جعلناك بمعزل من ذلك واما بحسب الامر الأعم فان فعلك ان أثبته مطلقا فعلا فيجب أن يثبت منه فاعلا مطلقا لا خاصا هو ذاتك بعينها وان أثبته فعلا لك فلم يثبت به ذاتك بل ذاتك جزء من مفهوم فعلك من حيث هو فعلك فهو مثبت في الفهم قبله ولا أقل من أن يكون معه لا به فذاتك مثبتة لا به ) التفسير لما ذكر في التنبيه الثاني ان الشاعر من الانسان نفسه اما الحس أو غيره فإن كان غيره فاما بوسط أولا بوسط ثم أبطل الاوّل بما مضى حاول هاهنا ابطال القسم الثاني وهو أن يكون ذلك الشعور بواسطة شيء آخر والدليل عليه وجهان أحدهما إنا في الفرض الذي ذكرناه في الفصل الاوّل بينا انه مع كونه غافلا عن كل الأشياء لا يغفل عن ذاته ولو كان علمه بذاته استدلاليا لما صح ذلك الثاني ان علمي بنفسي لو كان ببرهان لكان ذلك البرهان اما برهان لمى أو برهان ثاني والاوّل ظاهر البطلان لانى أعلم نفسي قبل أن أعلم سببها وأما الثاني وهو الاستدلال عليها بفعل من أفعالها فلا يخلو اما أن يستدل عليها بالفعل المطلق أو بفعلها الخاص والاوّل باطل لان الفعل المطلق يستدعى فاعلا مطلقا ولا يجب أن يكون ذلك الفاعل هو هو والثاني باطل لان العلم بالفعل من حيث إنه يضاف اليه يتوقف على العلم به فلو استفيد العلم به من الفعل بالفعل المضاف اليه لزم الدور وانه محال فقد يلخص من مجموع ما مر ان الشاعر من الانسان بنفس ليس هو الحس الظاهر ولا ما يناسبه بل قوة أخرى وان ادراك تلك القوة لهوية الانسان ليس بحجة ولا برهان وان المشعور به ليس من الأجسام فثبت لمجموع هذه الأشياء ان هوية الانسان ليست شيأ من الأجسام واعلم أنه يمكننا بيان ان هوية الانسان ليست جسما بان نقول لا شك انه قد يتفق للانسان أن يكون عالما بوجوده وثبوته وان كان غافلا عن جميع أعضائه والمعلوم مغاير لغير المعلوم فهويته مغايرة لجميع الأعضاء وهذا القدر من الكلام يغنى عن التطويلات التي مرت وهو معارض بالنفس فان كل أحد يعلم ذاته المخصوصة مع أنه لا يخطر بباله تصور النفس التي تقولون بها فكل ما يجعلونه عذرا عن ذلك فهو عذر عن هذا الكلام بطريق الأولى ( المسألة الثانية ) في بيان ان النفس ليس بمزاج فصل واحد
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 124 | فخر الدين الرازي