اجزاؤه ولا يتلامس أعضاؤه بل تكون أعضاؤه منفرجة ومعلقة لحظة ما في هواء طلق فان في هذه الحالة لا يحصل له الشعور بغيره وانما فرضنا كونه بحيث لا تتصل اجزاؤه لان اجزاء الحيوان إذا كان بعضها متصلا بالبعض حصل لكل واحد منها شعور بما اتصل به فيكون له في تلك إحالة شعور بغيره ولهذا السبب بعينه فرضنا ان لا يتلامس أعضاؤه ثم متى كانت أعضاؤه غير متصلة أو أعضاؤه غير متلامسة كانت الاجزاء والأعضاء منفرجة لا محالة وانما فرضنا كونها معلقة في هواء مطلق فلانها لو كانت موضوعة على جسم صلب لا يغفل عنه فحصل له به شعور وأما لهواء الطلق فلان الهواء لو كان حارا أو باردا أو متحركا أو غير ذلك لحصل لتلك الأعضاء المعلقة فيها شعور بتلك الكيفيات فيحصل لها بغيرها شعور فهذا هو الفائدة في المراتب التي ذكرها الشيخ وانه لم قدم بعضها على بعض ثم إن الشيخ بعد ان اطنب في ذكر هذه المراتب ادعى أن الانسان في جملة هذه الأحوال لا بد وان يكون مدركا لانية ذاته أي لكونها موجودة فإذا رجع حاصل كلامه في هذا الفصل ان الانسان لا يغفل عن اداراكه لذاته في شيء من الأحوال أصلا ثم إنه لم يبين أن هذه القضية أوليه أو محتاجة إلى البرهان وبتقدير أن تكون محتاجة إلى البرهان فلم يذكر حجة عليها أصلا ولم يبين أيضا ان الانسان وان كان لا يغفل عن ادراك ذاته لكنه هل يمكن أن يغفل ذلك أم لا وإذا كان كذلك وجب علينا أن نتكلم في هذه المباحث فنقول اما أن تلك القضية هل هي أولية أم لا فتشبه أن لا تكون أولية لأنا إذا عرضنا على عقلنا هذه القضية وهي انا ندرك أنفسنا حالة النوم والسكر وعند تفرق الأعضاء وعرضنا على العقل أيضا ان الكل أعظم من الجزء لم نجد القضية الأولى في الجلاء والظهور مثل القضية الثانية بل انا نجد القضية الأولى مشكوكا فيها فإذا لا بد من تصحيحها بالحجة واعلم أن كل ما دل على أنه يمنع ان لا يدرك ذاته فإنه يدل على أنه يدرك ذاته أبدا لكن ليس كل ما دل على أنه يدرك ذاته أبدا فإنه يدرك على أنه يمتنع ان لا يدرك ذاته فنقول الدليل على أنه يدرك ذاته أبدا انا لو قدرناه غافلا عن ادراكه لذاته ثم قدرنا وصول مؤلم أو ملذ اليه مثل أن يضرب أو تقرب النار اليه أو يمنع من وصول النسيم إلى قلبه فلا يخلو اما أن لا يحصل له به شعور أو يحصل فإن لم يحصل به شعور فهو ميت وليس بحي وان حصل له به شعور فاما أن يكون شعوره بالمؤلم والملذ لا من حيث إنه ملذ له ومؤذ له أو من حيث إنه كذلك فإن كان الأول لزم أحد أمرين اما أن لا ينقبض عما يؤذيه أو ينقبض عما يؤذى غيره مثل انقباضه عما يؤذيه لان ما يؤذى غيره يشارك ما يؤذيه في أصل كونه مؤذيا فشعوره بهذا القدر ان كان يقتضى الانقباض والتألم وجب أن يحصل الانقباض والتألم من شعوره بأنه حصل لغيره ما يؤذيه وان كان لا يقتضى الانقباض فقد بطل هذا القسم وتعين القسم الثاني لكن علمه بأنه يؤذيه علم بإضافة المؤذى اليه والعلم بإضافة أمر إلى أمر متأخر عن العلم بكل واحد من المضافين فوجب أن يكون علمه بنفسه حاصلا له قبل العلم بحصول ذلك المؤذى له وثبت بهذا ان الانسان لا يغفل في شيء من هذه الأحوال عن ادراكه لذاته واعلم أن هذه الحجة تقتضى أن يكون حال سائر الحيوانات كذلك أيضا وأما الذي يدل على امتناع أن يغفل الانسان عن ادراكه لذاته هو أن يقال ادراك الشيء عبارة عن حصول ماهية المدرك في المدرك فعلمى بذاتى اما أن يكون عبارة عن حصول صورة مساوية لذاتي في ذاتي وهو محال لاستحالة الجمع بين المثلين ولأنه ليس أحدهما بالحالية والآخر بالمحلية أولى من العكس لتساويهما في الماهية فيلزم أن يكون كل واحد حالا ومحلا وهو محال واما أن يكون عبارة عن مجرد حصول ماهية تلك الذات لتلك الذات لكن حصول شيء عند نفسه يستحيل أن يبدل بالغيبة فإذا ادراك الشيء لذاته يستحيل أن يبدل بالغفلة وهاتان الحجتان غير برهانيتين والأولى أضعف فهذا هو الكلام في ان الانسان لا يغفل عن ذاته قط
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 122
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٢