تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣

( تنبيه * [ في أن الانسان لا يدرك نفسه الا بنفسه ]

بما ذا تدرك حينئذ وقبله وبعده ذاتك وما المدرك من ذاتك أترى المدرك أحد مشاعرك مشاهدة أم عقلك وقوة غير مشاعرك وما يناسبها فإن كان عقلك وقوة غير مشاعرك اما تدرك أفبوسط تدرك أم بغير وسط ما أظنك تفتقر في ذلك حينئذ إلى وسط فإنه لا وسط فبقى ان تدرك ذاتك من غير افتقار إلى قوة أخرى وإلى وسط أن يكون بمشاعرك أو بباطنك بلا وسط ثم انظر ) التفسير لما ذكر ان الانسان شاعر بذاته دائما أراد أن يبحث أن الشاعر هاهنا ما هو والمشعور به ما هو فذكر في هذا الفصل أقسام الشاعر فان الشاعر من الانسان بذاته اما أن يكون هو الحواس الظاهرة وهو المراد بقوله أترى المدرك أحد مشاعرك مشاهدة واما أن يكون غير الحواس الظاهرة سواء كان ذلك الشيء هو العقل أو القوى المدركة الباطنة وهو المراد بقوله أم عقلك وقوة غير مشاعرك وما يناسبها ثم إنه قسم هذا القسم الثاني من القسمين الآخرين لأنه لو كان الشاعر من الانسان هوية شاعر الحواس الباطنة فادراك ذلك الشيء لتلك الهوية اما أن يكون بوسط أولا بوسط ومقصوده أن يبطل القسمين الأولين حتى يبقى القسم الثالث وأما ابطال القسم الأول فذلك لا ينافي الفصل الذي قبل هذا الفصل فرضنا تعطل الحواس عن العمل ولأجله فرضنا الأعضاء غير متلامسة بل معلقة في الهواء الطلق وأما ابطال القسم الثاني فقدا كتفي في ابطاله هاهنا بمجرد الاستبعاد ثم إنه في الفصل الرابع من هذا النمط أقام البرهان على بطلانه فهذا يفهم ما في هذا التنبيه

( تنبيه * [ في بيان أن النفس الانسانية ليست محسوسة ]

أتحصل أن المدرك منك أهو ما يدركه بصرك من اهابك لا فإنك وان انسلخت عنه وتبدل عليك كنت أنت أنت أهو ما تدركه بلمسك أيضا وليس أيضا الا من ظواهر أعضائك لا فإن حالها ما سكف ومع ذلك فقد كنا في الوجه الأول من الفرض أغفلنا الحواس عن أفعالها فبين انه مدركك حينئذ عضو من أعضاء كقلب أو دماغ وكيف ويخفى عليك وجودهما الا بالتشريح ولا مدركك جملة من حيث هو جملة وذلك ظاهر لك مما تمتحنه من نفسك ومما نبهت عليه فدركك شيء آخر عن هذه الأشياء التي لا تدركها وأنت مدركك لذاتك والتي لا تجدها ضرورية في أن تكون أنت أنت فمدركك ليس من أعداد ما تدركه حسا بوجه من الوجوه ولا مما يشبه الحس مما سنذكره ) التفسير لما بحث عن الشاعر أراد أن يبحث عن المشعور فقال ذلك الشيء اما أن يكون هو الاجزاء الظاهرة أو الباطنة ثم إنه أبطل الأولين بوجهين أحدهما ان الاجزاء الظاهرة لو انتقصت فان الانسان يجد نفسه بعد ذلك النقصان عين ما كان قبل ذلك النقصان وهو المراد من قوله انك ان انسلخت عن اهابك كنت أنت أنت وثانيهما ان الشعور بالأعضاء الظاهرة لا يحصل الا بالحواس ونحن قد فرضنا الكلام في الانسان الذي بطلت حواسه وهو المراد من قوله كنا في الوجه الأول من الفرض أغفلنا الحواس عن أفعالها وأما القسم الثاني فهو باطل لأنا لا نعرف شيأ من الاجزاء الباطنة الا بالتشريح مع انا قبل ذلك التشريح ما كنا غافلين لأنفسنا وأما القسم الثالث وهو أن لا يكون المشعور به شيأ من الاجزاء بل الجملة فلا يخلو اما أن يكون المشعور به جملة مطلقة أو هذه الجملة والأول باطل لأنه ليس بمعلوم من نفسي ثبوت جملة ما مبهمة وذلك ظاهر مما تمتحنه من نفسك والثاني أيضا باطل لان ادراك هذه الجملة يتوقف على ادراك أجزائها ونحن قد فرضنا الكلام في الوقت الذي غفلنا فيه عن