هذا الّذي ترك الأوهام حائرة * وصيّر العالم النحرير زنديقا »
فالمصير هاهنا اسم مفعول أسند إلى مفعوله الّذي كان اسمه ، وهو الصائر ؛ و « إيّاه » خبره ، أو مفعوله الثاني وهو المصير إليه . والمصير في هذا المقام إذا وقع صفة الأولى كما في قوله : « فقد بطل كون الأوّل بالغرض ثانيا » . و « مصيرا إيّاه » كان وصفا بحاله وإن وقع صفة للثاني كما في قول الشيخ : « إن كان المعدوم ثانيا ومصيرا إيّاه » ، كان وصفا بحال المتعلّق إذ يصدق على الثاني أنّه ممّا يصير الأوّل إيّاه والعبارة الّتي بدّل عبارة الشيخ إليها من هذا القبيل ، فإنّ الصائر الّذي هو الأوّل وقع صفة للثاني .
وبعد ما قرّرنا ظهر انعكاس تشنيعه على الشارح والشيخ ، ويظهر أيضا أنّ ما أورده بقوله : « فإن قلت المفروض أنّ الأوّل » . . . إلى آخره مندفع ، ولا حاجة في دفعه إلى التكلّف الّذي ارتكبه ؛
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
( 28 ) . هذا الكلام منه يدلّ على أنّ العلم المتعلّق بالموجود الخارجي منحصر في الفعلي / 32
DB
/ والانفعالي . وليس كذلك ! لأنّه إذا عمل شيئا أحد سبقه أحد لكن لم يره ولم يسمعه والحاصل أنّه لم يؤخذ منه فلا شكّ في أنّه يحصل له علم بهذا العمل وهو ليس بفعلي ولا انفعالى .
فإن قلت : بل هو فعلي بالنسبة إلى هذا العمل الجزئي الصادر عنه ؛ فنقول : بعد الإغماض عن عدم ملائمته لكلام الشارح حيث قال : « عملا غريبا لم يسبقه أحد إلى ذلك » وعن أنّ هذا العلم علم تعقّلي متعلّق بمهيّة هذا العمل وليس بفعلي ولا انفعالي بالنسبة إلى ماهيّتها وحقيقتها : انّا نفرض أنّه أدرك هذا العمل من غيره أخذه من غيره ولم يعمل به ، فهذا العلم ليس بفعلي ولا انفعالي سواء فرض أنّ من سبقه عمل بمثله أو لا .
ثمّ لا يخفى عليك أنّ علم العقول إنّما يكون فعليا بالقياس إلى ما تحتها من الأمور المستندة إليها لا مطلقا ؛ وحينئذ لا يكون فرق بينهم وبيننا في أنّ بعض علومهم وعلومنا فعلي وبعضها انفعالي ، إلّا أنّ الفعلي منهم أكثر من الانفعالي وفينا بالعكس ؛ فتأمّل !