وذلك كما ترى ! كيف ومدار الدليل المذكور على عدم فساد النفس ؟ ! على ما مرّ .
على أنّ إمكان الفساد كإمكان الحدوث يستدعي المادّة .
بل الجواب المطابق لأصولهم أن يقال : البدن جائز أن يكون محلّ إمكان حدوث النفس ولا يجوز أن يكون محلّ إمكان فسادها على ما ذكره الشارح مشروحا .
أمّا أنّه على تقدير حدوث النفس يكون النفس ذات مادّة فجوابه إنّه لا محذور في كون النفس ذات مادّة غير قائمة بها ولا حالّة فيها بل لها علاقة معها علاقة التدبّر والتصرّف . فمنشأ قولهم بقدم النفس على ما قرّرنا توهّمهم أنّ إمكان الحدوث لا بدّ أن يقوم بما هو مادّة الحادث كما أنّ إمكان الفساد كذلك . ولمّا لم تكن للنفس مادّة يقوم بها إمكان فسادها كذلك لا يجوز أن تكون لها مادّة يقوم بها إمكان حدوثها .
والجواب : أنّ للنفس مادّة بالمعنى الأعمّ ، وتلك المادّة وإن لم تصلح أن تكون محلّ إمكان الفساد لأنّها بهذا الاعتبار كانت مباينا لها أجنبيا عنها لكن يصلح أن يكون محلّ إمكان الحدوث على ما قرّره الشارح .
( 26 ) . لو سلّم احتياجها في زمان البقاء إلى البدن في تعلّقها لم يكن فيه فساد ، إذ معنى كون النفس عاقلة لذواتها أنّ تعقّلها ليس بالآلة بمعنى أنّ الصورة المعقولة ترتسم فيها لا في آلتها . وأمّا أنّ وجودها مشروط بأمر ذي مادّة وكذا بقائها ومن هذه الجهة يتوقّف تعقّلها عليها أيضا ، فممّا لا دليل على نفيه .
قلت : قد مرّ انّ النفس بعد التجريد عن البدن يبقى بذاتها وتعقّلاتها ، فلا بدّ من القول بالفرق بين علّة الحدوث وعلّة البقاء على ما ذكره ؛ فتأمّل ! ( 27 ) . هذه اللفظة تقرأ مشدّدة على أن يكون اسم مفعول من التصيير ، إذ لا شبهة في أنّ التصيير نصب الاسمين الواقعين في خبره وكان معنى قولنا : « صيّر اللّه زيدا عالما » في قوّة قولهم : « جعل اللّه زيدا عالما » . فإمّا أن يقال : إنّه بمعنى الجعل المتعدّي إلى مفعولين ، أو يقال : إنّ أصله صار زيد عالما ، فبتضعيف العين صار متعدّيا ، فالمنصوب الثاني كان خبره والمنصوب الأوّل كان اسمه صار مفعوله حينئذ ؛ قال ابن الراوندي :
« كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا