وهذه التزكية إنّما تحصل بأخلاق وملكات فاضلة تكتسب بأفعال تصرّف النفس عن البدن وعن القوى الجسمانية ، وتديم ذكرها بالعالم الأعلى الذي هو معدن النفس ، فتصير القوى « 1 » الجسمانية « 2 » مرتاضة مطيعة للنفس ، لا تكون عائقة لها عن التوجّه إلى الأمر المناسب له ، وهو الاستغراق في اللّه تعالى . وإذا كانت النفس كثيرة الرجوع إلى ذاتها وما تذكر معالم تنفعل عن الأحوال البدنية - وتعينها « 3 » عليه أفعال متعينة خارجة عن العادة مخالفة للطبيعة ، مشتملة على الكلفة ، كالعبادات المشروعة - فإنّها تذكّر النفس المعبود الحقيقي والملائكة والآخرة ، أرادت أو لم ترد . فيقرّر فيها بذلك هيئة الانزعاج عن البدن ويفسدها التسلّط على البدن وقواها ، ولا ينفعل عنه لو جرت عليها أحوال بدنية ، لم توجب فيها هيئة وملكة إيجابها لو كانت منقادة للبدن من كلّ وجه ، وإلى هذا المعنى أشير في الكتاب الإلهي بقوله :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
« 4 » .
فالإنسان إذا واظب على هذه العبادات حصلت له ملكة الالتفات إلى جانب الحقّ والإعراض عن الباطل وصار شديد الاستعداد للفوز بالسعادة الحقيقية بعد مفارقة النفس عن البدن .
وهذه الأفعال لو فعلها فاعل ولم يعتقد أنّها فريضة من عند اللّه
هامش
( 1 ) . د : للقوى
( 2 ) . ف : - وتديم ذكرها . . . الجسمانية
( 3 ) . د : بعينها
( 4 ) . هود / 114