هاهنا مع انا نعقل أنفسنا فبطل ما ذكرتموه * ( ثم نقول ) قد بينا في باب العلم ان العلم والإدراك والشعور ليس عبارة عن حضور صورة المدرك في المدرك بل عن إضافة مخصوصة بين المدرك والمدرك ثم إن تلك الإضافة قد تكون محتاجة إلى انطباع ماهية المدرك في المدرك وذلك عندما يكون أحدهما مغايرا للآخر فإنه متى كان كذلك صح من العالم ان يعلم ماهية ذلك المعلوم وان كان معدوما في الخارج فلا جرم لا بد أن تحصل تلك الماهية في نفس العالم ليقع للعالم الإضافة المسماة بالادراك اليه واما إذا كان المدرك نفس المدرك لم يكن هنا حاجة إلى حصول صورة أخرى إذ من المحال ان يدرك المدرك ذاته عندما تكون ذاته معدومة فلا جرم كان حضور ذاته كافيا في تحقق تلك النسبة * ( فهذا مأخذ الجواب ) والاطناب فيه قد مضى * ( الشبهة الثانية ) لو علم ذاته لصح منه ان يعلم علمه بذاته والعلم بالعلم بالذات ليس هو عين العلم بالذات لأنا نجد من أنفسنا تفرقة بديهية بين العلمين ولأنا إذا علمنا شيئا ثم علمنا علمنا بذلك الشيء فالمعلوم بالعلم الأول هو ذلك الشيء والمعلوم بالعلم الثاني هو العلم بذلك الشيء وإذا تغاير المعلومان فلا بد وان يتغاير العلمان لا سيما وهذان المعلومان أمران يصح ان يعلم أحدهما عند الجهل بالثاني * ( وإذ ثبت ) ان العلم بالعلم بالذات مغاير للعلم بالذات وثبت ان الباري تعالى لو كان عالما بذاته فإنه لا محالة يصح منه ان يعلم علمه بذاته وثبت ان كل ما يصح في حقه كان واجبا لاستحالة ان تخالط ذاته طبيعة القوة والامكان فإذا ذلك العلم واجب الحصول في حقه وكذلك أيضا العلم بالعلم بالعلم بالذات علم ثالث فيكون أيضا واجب الحصول وهذه المراتب مما لا نهاية لها وكل واحدة
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 470
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٧٠