ولذلك فانا لما طالبناكم في أول الاعتراضات ببيان كوننا عاقلين لأنفسنا قلتم هذا الكلام لا يختص بالتعقل بل بالادراك كيف كان فكيف رجعتم الآن عن ذلك * ( ثم التحقيق ان ) كل ما يدرك شيئا فله ذلك المدرك كليا كان أو جزئيا والحمار إذا أدرك ذاته المخلوطة فله ذاته المخلوطة فإذا على كل الأحوال الحمار ذاته موجودة له وليس ذلك إلا مرة واحدة فذاته أيضا مجردة وهذا مما لا يمكن جحده * ( ومما يبطل ) قولكم ان المدرك لذات الحمار وهمه ان نقول المدرك لذات الحمار ان لم يكن هو ذاته بل قوة أخرى فان كانت تلك القوة في الحمار فذات الحمار في الحمار وان كانت في غيره لم يكن الشاعر هو المشعور به فلم يكن الحمار مدركا لذاته وقد أبطلناه أولا وأيضا ان سلمنا ان الحمار يدرك ذاته لا بذاته لكن بجزء من ذاته فذلك الجزء أيضا له صورة ذاته فذلك الجزء مجرد وأيضا فإذا حصلت نفس الحمار في آلة قوته الوهمية مع كونها مخلوطة وجب أن تكون آلة الوهم حية بتلك النفس كما أن آلة النفس حية بها * ( قال المجيب ) عن هذا الأخير بان حصول تلك الصورة في الوهم تشبه الخضرة الحاصلة من الانعكاس وحصولها في آلتها الخاصة تشبه الخضرة الأصلية من الطبيعة ( وفي كتاب المباحثات ) أجوبة عن الأسؤلة المذكورة ظلمانية غير مفيدة فتركناها من شاءها فليطالع ذلك الكتاب ليجد فيه هذه الكلمات متفرقة في مواضع شتى * ( واعلم ) ان لنا على هذه الحجة اعتراضات اخر قادحة لكنا نعلم أن من أحاط ما ذكرناه في باب العلم والمعلوم سهل عليه ايرادها فلذلك لم نوردها *
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 359
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٥٩