تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
( واعلم ) ان هذه البراهين لا تقتضى كون النفس الانسانية غير جسمانية فان البهائم تدرك هوياتها المخصوصة وكيف لا وهي تهرب عن المولم وتطلب اللذيذ وليس هربها عن مطلق الألم لوجهين ( اما أولا ) فلان المشهور انها لا تعقل الكليات ( واما ثانيا ) فلانها لا تهرب عن ألم غيرها مع أن ذلك ألم فهي إذا انما تهرب عن آلامها وعلمها بألمها بعد علمها بأنفسها فظاهر انها تدرك أنفسها المخصوصة مع أن نفوسها ليست مجردة ( بل هذه الأدلة ) لا تدل الا على أن هوية الانسان مغايرة لهذه الأجسام المحسوسة اما ان تلك الهوية هل هي متعلقة بهذه الأجسام أو هي بريئة عنها فذلك مما يحتاج فيه إلى نظر آخر * ( وهاهنا دقيقة ) وهي انه وان كان علم الانسان بهويته عند غفلته عن جميع أعضائه لا يقتضى ان يكون هويته مجردة ولكن علمه بأنه الآن هو الذي كان قبله بمدة يقتضى ان يكون هويته مجردة على ما سيأتي ذلك في موضعه * ( ومن الناس ) من ذهب إلى أن النفس هي المزاج ويدل على فساده ستة براهين * ( الأول ) ان البدن مركب من عناصر متنازعة بطبائعها إلى الانفكاك والذي يجرها على الامتزاج قوة غير ما يتبع امتزاجها فان البعد لا يكون بعينه هو القبل * وعليه شكوك ستة * ( الأول ) لعل الاسطقسات في بدن الانسان مقسورة على ذلك لا ان حافظا يحفظها وهو النفس ( والجواب ) ان المقسور من الاسطقسات الممتزجة انما يحفظ اما لعصيان المسلك على الانشقاق مثل احتباس النيران والاهوية في الأرض قسرا حتى أنها ان كانت قوية زلزلت الأرض وخسفتها واما مدة زمان حركتها إلى الانفصال مثل الدهن المضروب بالماء ومعلوم انه ليست
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 226 | فخر الدين الرازي