( واما انقلاب الهواء ماء ) فمن وجهين ( الأول ) ان القدح إذا وضع على الجمد بحيث يبقى طرفه خارجا عن الجمد ويشد رأسه فإنه يجتمع فيه ماء كثير ويجتمع أيضا فوق موضع مماس للجمد شيء كثير كالقطر وليس ذلك للرشح إذا الرشح حيث يكون الاناء راشحا ولأنه بالماء الحار أولى ولان ذلك الجمد ربما لم يتحلل منه شيء بل كلما كان الجمد ابعد من التحلل كان هذا المعنى أكمل ولأن الماء لا يتصعد فكيف اجتمعت القطرات على طرف الكوز مع أن الجمد أسفل منه فإذا ذلك لأجل ان الهواء استحال ماء * ( فان قيل ) لو كان ذلك لاستحالة الهواء ماء وجب ان لا يزال يزداد حتى يمتلئ الكوز ولا نراه كذلك بل يحصل قدر من الماء في زمان يسير ثم لا يزيد مثله في مثل ذلك الزمان بل السبب في ذلك ان الاجزاء المائية كانت منتشرة في الهواء المحصور في الكوز فكلما بردت نزلت فاتصلت وانفصلت بثقلها « عن الهواء إلى قعر الكوز فلما استصفاها البرد المصفى من الهواء بالإحدار لم يتصل مددها ولم يزدد ما فيها ( فنقول ) ذكر في الإشارات ان الاناء قد يبرد بالجمد فيركبه ندى من الهواء كلما لقطته مد إلى اي حد شئت ولو كان السبب هو ما قاله المشكك لكنا إذا نحينا تلك القطرات وجب ان لا تعود مرة أخرى لان الاجزاء المائية كلها لما نزلت في المرة الأولى بقي الهواء صرفا ( الا ان يقال ) انها وان نزلت فقد صعدت اجزاء أخرى مائية ولكن ذلك باطل إذ ليس هناك جزء مصعد ( وقوله ) لو كان ذلك بسبب إحالة الهواء وجب ان لا يزال يزداد حتى يمتلئ القدح ( فجوابه ) ان تبريد الجمد مغلوب بتسخين حرارة العالم فلا يتعدى تبريد الجمد عن الهواء القريب مه جدا فإذا احاله ماء لم يكن لذلك الماء من البرد ما للجمد فيكون ضعيف البرد فلا يقوى على إحالة هواء آخر ماء بل
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 586
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥٨٦