لا يصير باردا والبارد لا يصير حارا في الحقيقة وهم المنكرون للاستحالة ثم لما شاهدوا صيرورة الحار باردا والبارد حارا تحزبوا حزبين فمنهم من سلم الكمون ومنع الاستحالة فزعم أن الماء إذا تسخن فلم يحصل في كله بعض السخونة بل في بعضه كل السخونة اى صار بعض اجزائه نارا واختلط بالاجزاء المائية فان كانت قليلة كانت السخونة قليلة وان كانت كثيرة كانت السخونة عظيمة * ( ومنهم من اصر ) على منع الاستحالة والكمون وهم أيضا على قسمين ( الأول ) أصحاب الكمون والظهور وزعموا ان الأجسام لا يوجد منها شيء بسيطا صرفا بل كل جسم فإنه مختلط من كل الطبائع لكنه يسمى باسم الغالب عليه فإذا لقيه ما يكون الغالب عليه من جنس ما كان مغلوبا فيه فإنه يبرز ذلك المغلوب من الكمون ويحاول مقاومه ما كان غالبا ولا شك انها حال بروزها من الكمون تختلط بالاجزاء التي كانت غالبة عليها فتحس بجملتها احساسا لا يمكن التميز بين آحادها فيتخيل الحس هناك امرا بين الحر والبرد وهؤلاء هم أصحاب الخليط * ( ثم منهم ) من يقول الجسم مثلا فيه اجزاء حارة أو باردة وليس واحد منها كامنا لكنه إذا صار باردا فارق الحار ظاهره وباطنه فبقى البارد وبالعكس * ( والفرقة الثانية ) زعموا ان الجسم البارد إذا صار سخينا فذلك لأنه تدخل فيه من الخارج اجزاء نارية فإذا اختلطت بالنار أحس بشيء متوسط بين الحار والبارد ( فنقول ) الدليل على وجود الاستحالة انا نرى الماء يصير حارا بعد ان لم يكن فحرارته اما أن تكون لمخالطة نارية واما ان لا تكون لمخالطة نارية فإن لم تكن لمخالطة نارية فيصح قولنا واما ان كانت لمخالطة نارية فتلك النارية اما ان ترد عليه من الخارج أو لا من الخارج فإن لم تكن من الخارج فاما أن تكون
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 576
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥٧٦