فالامكان لو أحوج الممكن في جانب الوجود إلى السبب أحوجه اليه في جانب العدم وذلك محال ( والذي يقال ) ان سبب عدم الممكن هو عدم علة وجوده باطل لان الموصوف بالسببية موصوف بوصف ثابت والموصوف بالوصف الثابت يجب ان يكون ثابتا ثم إنه لو كان للعدم من الخصوصية ما يكفى في انتساب حكم اليه فليكف ذلك القدر في جانب الوجود حتى يعلل وجود الممكن بعلة عدمية هذا ما يمكن ان يقال من جانب الجدليين ( والحكماء ) اتفقوا على أن العلم بان متساوي الطرفين لا يترجح أحدهما على الآخر إلا لسبب علم فطرى اولي ومن أنكره فقد فارق مقتضى عقله لسانا ويعود اليه ضميرا ( والذي قالوه ) ان بعض العقلاء جوزوا وقوع الممكن لا عن سبب ( فنقول ) لا نسلم ان أحدا جوز ذلك نعم ربما لزمهم ذلك وليس كل ما يلزم انسانا يجب ان يكون قائلا به ( وقولهم ) العلم بان الواحد نصف الاثنين اجلى من هذا العلم ( فنقول ) هب انه كذلك ولكن لا يخرج بذلك عن كونه أوليا فان الأوليات يجوز أن تكون متفاوتة كما أن النظريات قد تكون متفاوتة وقولهم الحاجة امر ثبوتي ممنوع واستدلالهم عليه بان اللاحاجة عدمية فالحاجة تكون ثبوتية فقد بينا انه لا اعتماد على هذا النوع من الدلائل لأنا إذا قلنا اللاامتناع يصح حمله على الممكن المعدوم والمحمول على المعدوم عدمي فاللاامتناع يكون عدميا فالامتناع يلزم ان يكون ثبوتيا ولا شك في بطلان ذلك ولما كان هذا النوع من الاستدلال ينتج النتائج الباطلة علمنا أنه لا يجوز التعويل عليه وباقي الشكوك ظاهر الفساد *
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 128
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٨