يشتمل على الأصول الأوّلية ، التي ينفتح بها مجامع ما تماروا [ فيه ] ، وإن كنت موقنا بصعب مآخذه ، وبتوعر شعبه ، وأن أمثالنا من المتعرّفين بالنقص الظاهر ، والضعف البيّن ، لن يليق بهم التصدي لمثل هذا الخطب الرفيع ، ولم أصر مستيئسا عن الوفاء به ثقة بصادق موعود اللّه - تعالى جدّه - للمجتهدين في سبل الخير من عباده بقوله :
« والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا « 3 » » وأخلصت التوكل على اللّه ، واستندت إلى يمن إقبال الشيخ الجليل - أبقاه اللّه - وأوجبت الشروع فيه باسمه - أعلاه اللّه ، وتحريت فيه نصرة الحق ، مؤملا ثواب اللّه ، وجعلت التأليف مبوبا ، مفصّلا ، لينبسط الناظر فيه ، وينشرح صدره لتأمل معانيه ، وتجنبت الإطالة والاغماض ، وقرّبت الشواهد للاقناع ، ورجوت أن العاقل متى سلّط الفهم عليه ، وأحسن الرويّة فيه ، سلم من الشكوك المعترية في أبوابه ، وسهل حلّ الشبهة القوية فيه ، واللّه أسأل أن يوفقني له ، وينفع العباد به ، وأن يحفظني من التمادي فيما لا أحسنه ، والاعجاب بما أحسنه ، إنّه الفاتح لأبواب الخير ، والميسّر لأوجه البرّ ، ولا قوة إلا به .
مفتتح ما يحتاج إلى معرفته ليشرح به التقدير :
إنّ المخطور بالبال متى عرض على صريح العقل ، فإنه لا محالة يحكم فيه بإحدى المعاني الثلاثة : إما بأنه واجب وجوده ، أو بأنه ممكن وجوده ، أو بأنه ممتنع وجوده . وإذ كان العقل أوّل حجج اللّه على خلقه ، وكان المخطور بالبال أوّل « 4 » المعاني المقدّرة عند ذوي الألباب ، ثم لم يكن للعقل معدل عن هذه الأوجه الثلاثة في شيء من المقدّرات ، وقد علم أن التقدير والمقدرة من جملة المتضايفات ، التي يكون العلم بها واحدا لا على الاطلاق ، فبالحري أن تكون أوجه التقدير منحصرة فيها ، / مرتقية إليها . وإذ عرف هذا فمن الواجب أن يجعل مفتتح الخوض فيه مأخوذا من تحقيق كلّ واحد من هذه المعاني الثلاثة بتحديده الخاصيّ ؛ فنقول :
أما الواجب فهو الذي يكون ضروريّ الوجود ، ومتى فرض في شيء من الحالات لا وجوده لزم منه المحال ، نحو الاثنين والاثنين أربعة . وأما الممتنع فهو الذي
هامش
( 3 ) سورة : « العنكبوت » ، الآية « 69 » .
( 4 ) ص : أوله .