تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
فلا بدّ من مجموعهما ، ويسمّى عناية . قال إبراهيم ، عليه السّلام :
« الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ »
. ذكر عناية خاصّة به ، لانّه كان اوّل أساس بيت الملّة . وقال موسى :
« الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى »
. ذكر عناية عامّة ، حيث حكم بقضيّة حمليّة كلّية ، لانّه كان قد تمّ حيطانه دون سقفه . فانّ الصّلاة الّتي هي عماد الدّين ( م 153 ر ) ما قامت عمودا حتى يستوى عرشه عليه . وقال سيّدنا ، عليه السّلام :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
. ذكر مطلقا شاملا للخاصّ والعامّ ، بل زاد عليهما سوى ذلك . لانّه ذكر مبدأ عالم الخلق ومنتهاه ، وهو قوله :
« خَلَقَ فَسَوَّى »
. وذكر مبدأ عالم الامر ومنتهاه ، وهو قوله :
« قَدَّرَ فَهَدى »
. فبأمثال هذه (
a
230 ) المرامز يعرف فضيلة الأنبياء . فهل هذه الكلمة الوجيزة الفصيحة الا من جوامع الكلم الّتي اوتى ، ومجامع الحكم الّتي اعطى . ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا . وكثيرا ما يجرى مثل هذه الكلمات الدالّة على كمال مرتبتهم ونقصها ، حيث قال إبراهيم : « انّى ذاهب إلى ربّى » . سمّى الرّوح الّذي هو واسطة بينه وبين الربّ ربّا ، إذ هو آية الربّ الكبرى المشار اليه بقوله :
« لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى »
. وكذلك موسى ، عليه السّلام ، في قوله :
« وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ
( 98 ر ) ، قال :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
. واما عيسى لما كان أكمل منهما ، لكونه روح الله حيث غلبت القوّة الروحانيّة ، كما غلبت على موسى القوة الغضبية ، حيث وكز قبطيّا فقضى عليه ، وقال :
« هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ »
، فيا عجبا بالقوّة الرّوحانيّة يحيى الأموات ، وبالغضبيّة يمات الاحياء ، سمّاه « ابا » حيث قال :
« إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ،
وأبيكم السّماوى » . ومن قوله هذا قالت النصارى : (
b
230 )
« الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ »
. وامّا سيّدنا ، عليه السّلام ، لما كان أفضل الكلّ ، لكون قواه معتدلا ( م 153 پ ) ، بل القوّة الرّوحانيّة فيه كانت مستعلية على كلّها ، حيث اسلم شيطانه على يده ، بل بلغت في فيضان الاشعّة والأنوار منها إلى أن سمّاه سراجا منيرا لعالم الأرواح ، كالشّمس المسمّى سراجا وهاجا لعالم الأجسام ، سمّاه أخا . والاخوان هما الشّعبتان الناشئتان من أصل