اما الجسمانىّ ، فلانه يعاد مثل بدنه الذي اضمحلّ وتلاشى وصار عظاما نخره ، على ما اخبر عنه الكتاب العزيز :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ »
. اى الخالق لكلّية الأجسام ، كيف لا يقدر على أن يخلق بدنا شخصيا جزويا من أبدان الحيوان ، بل هذا بالطريق الأولى ، كما قال :
« لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ »
. وهذه مبالغة أخرى في تحقيق إعادة الأجساد الذاهبة إلى حيّز الفساد .
ذكر مثل الشخص الثّاني في موضعين من كتابه ، فان اعادته بعينه غير ممكن ، وكيف يكون ممكنا ، وكلّ فاسد ( م 131 پ ) لا بد من فساد اعراضه واشكاله وألوانه واكوانه معه ، وأدناها التاليف المخصوص . (
a
198 ) فانّ شبكة متى حلّت عقدها ، ثمّ يعاد شدها ، فلا بدّ وقد زالت تلك الهيئة الحاصلة في المرة الأولى الّتي لا يمكن اعادتها ثانية ، لزوالها واضمحلالها . واما ما بين مدتي كون نوع الانسان وفسادها ، فذلك ممّا لا يستبدّ العقول بدركه . بل الأولى الاخذ بتركه . وقد قال اللّه ، تعالى :
« تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ »
. فهذه الآية يشعر بان ما بين مجىء الروح منه وعوده اليه ، ( 84 پ ) انما يكون في مدّة خمسين الف سنة . واللّه العالم بمراده .
فلكلّ واحد من عقل الانسان ونفسه وروحه معراج إلى عالمه : امّا لعقله فإلى عالم العقول ، اما لنفسه فإلى عالم النفوس ، واما لروحه الجسمانىّ فإلى عالم الأفلاك . اليه يصعد الكلم الطيّب على قدر صفائها وكدورتها وطيبها وخباثتها ، لكن الأكبر منها معراج النفس ، إذ هي الملكة الآمرة والنّاهية والعامدة (
b
198 ) والساهية . واما الرّوح فهي جاريتها وحليلتها ومطيّتها وظلّتها ، فله المعراج الأصغر ، إذ هو أدنى منزلة منها ، وإلى المعاريج الثّلاثة أشار قوله تعالى :
« لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ »
.
ثم البرهان العامّ على تحقيق المعاد الجسماني ، هو ان الكائنات السّفلية مستفادة من القدرة ( م 132 ر ) الأزلية بواسطة الاجرام العالية المعدّة لموادّها لقبول فيضان الصور عن بحر الجود ، كما قيل :
ان الكواكب كنّ في أبراجها * الا عطارد حين صوّر آدم
وقد عرفت هذا البحث حين عرفت ان العنصريات منفعلة عن الاثيريّات . وتلك