لم نرد به ذلك ، ولا أنّها من كونها جزئيّة تتّحد بالنّفس الكلّيّة . فيستنكر على المحقّق ما ذكره ، من أنّه مفروغ عنه أجزاء العالم ، وإنّما نعنى بذلك أنّها ترقى من جزئيّتها وتنسلخ من أوصافها التّقييديّة العارضة الّتي لأجلها سميّت جزئيّة ، فتعود إلى كليّتها الأصليّة ، فيصدق عليها من الأوصاف ثانيا ما كان يصدق عليها أوّلا ، بالاتّصال الحاصل وزوال العوارض ، وحينئذ لا تكون أجزاء العالم مفروغا عنها .
( 12 ) وأمّا قوله - نفع اللّه به ، « في ارتقاء النّفوس الكاملة وحصول مشاهدة المبدأ الأوّل فأمر يحصل لها في ذواتها الجزئيّة » .
فيه نظر ، لأنّ ذواتها الجزئيّة من حيث جزئيّتها محال أن تشاهد المبدأ الأوّل ، وهذا متّفق عليه عند أهل الشّهود ، ومن أرباب هذا الشّأن : أنّهم لا يشاهدون كلّيّا ما حتّى يصيرون كذلك ، ثمّ يزدادون ترقّيا باتّصالهم [ 64 ، ب ] بالكلّيّات على الوجه المذكور في أمر المعراج ، طبقة بعد طبقة ، مستفيدين من كلّ اتّصال استعدادا وجوديّا ونورا وبصيرة هكذا ، حتّى ينتهوا إلى العقل الأوّل ، فيستفيدون من الاتّصال به ما يستعدّون بذلك لمشاهدة المبدأ ، كما هو شأن العقل الأوّل ، على ما مرّ .
( 13 ) وأمّا قوله - حفظه اللّه : « إنّ الانسلاخ واجب ، لكن لا بإرادة النّفس ، كما لم يكن الارتباط بإرادتها ، بل إذا افسد المزاج انسلخت عنه » .
فيه نظر ، فإنّه لا يلزم ، من أنّه إذا كان الارتباط ، أوّلا ، لا بإرادة ، أن يكون كلّ انسلاخ لا بإرادة ، بل يكون لهم ذلك متى شاءوا . كذلك رأينا غير واحد منهم قصد الموت ، وأخبر باختياره له ، ومات من حينه دون مرض ولا فساد مزاج .
بل أخبرني شيخى الإمام الأكمل - رضى اللّه عنه - مشيرا إلى حاله : « إنّ ثمّة من يكون مدبّرا لأجزاء بدنه قبل اجتماعها بعلم وشعور » . وذلك بكليّة نفسه ، إذ من يكون نفسه جزئيّة يستحيل عليه ذلك ، لأنّ النّفوس الجزئيّة لا تتعيّن إلّا بعد المزاج وبحسبه ، فلا وجود لها قبل ذلك حتّى يتأتّى لها تدبير الأجزاء البدنيّة بعلم وشعور .
فدلّت هذه الأمور الواقعة أنّ الحكم باستحالة ذلك لا يتمّ إقامة البرهان عليه ، إذ لو كان كذلك ، لما وقع في الوجود ما حكم البرهان الصّحيح باستحالة وقوعه . فظهر من
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 263
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٢٦٣