إلى المبصرات كحال البصيرة بالنّسبة إلى المعقولات المعنويّة والمعلومات الغيبيّة .
( 44 ) وكما عجز البصر عن إدراك المبصرات الحقيرة ، مثل الذّرّات والهباءات ونحوهما ، وعن المبصرات العالية ، كوسط قرص الشّمس عند كمال نوره ، فإنّه يتخيّل فيه سوادا ، لعجزه عن إدراكه - مع أنّا نعلم أنّ الوسط منبع الأنوار والأشعّة - فظهر أنّ تعلّق الإدراك [ 19 ، ب ] البصريّ بما في طرفي الإفراط والتّفريط ، من الخفاء التّامّ والظّهور التّامّ ، متعذّر ، كما هو الأمر في النّور المحض والظّلمة المحضة في كونهما حجابين ؛ وأنّ بالمتوسّط بينهما النّاتج منهما ، وهو الضّياء ، تحصل الفائدة ، كما ستعرفه إن شاء اللّه تعالى .
فكذلك العقول والبصائر إنّما تدرك المعقولات والمعلومات المتوسّطة في الحقارة والعلوّ ، وتعجز عن المعقولات الحقيرة ، مثل مراتب الأمزجة والتّغيّرات الجزئيّة على التّعيين والتّفصيل ، كالنّماء والذّبول في كلّ آن ، وعن إدراك الحقائق العالية القاهرة أيضا ، مثل ذات الحقّ - جلّ جلاله - وحقائق أسمائه وصفاته إلّا بالله ، كما ذكرنا .
( 45 ) ورأوا أيضا : أنّ من الأشياء ما تعذّر عليهم إدراكه ، للبعد المفرط ، كحركة الحيوان الصّغير من المسافة البعيدة ، وكحركة جرم الشّمس والكواكب في كلّ آن . وهكذا الأمر في القرب المفرط ، فإنّ الهواء لاتصاله بالحدقة يتعذّر إدراكه ، وكنفس الحدقة ، هذا في باب المبصرات . وفي باب المعقولات والبصائر ، كالنّفس الّتي هي المدركة من الإنسان وأقرب الأشياء نسبة إليه ، فيدرك الإنسان غيره ولا يدرك نفسه وحقيقته .
( 46 ) فتحقّق بهذا الطّريق أيضا عجز البصائر والأبصار عن إدراك الحقائق الوجوديّة الإلهيّة والكونيّة وما تشتمل عليه من المعاني والأسرار . فظهر أنّ العلم الصّحيح لا يحصل بالكسب والتّعمّل ، ولا تستقلّ القوى البشريّة بتحصيله ما لم يجد الحقّ بالفيض القدسىّ الغيبىّ والإمداد بالتّجلّى النّورىّ [ 20 ، ألف ] العلمىّ الذّاتىّ ، منحنا اللّه وسائر الإخوان ذلك على الوجه الأكمل [ وسلوك سبيل الأمم الأعدل . ] .
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 194
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص١٩٤