يتصرّم ويتجدّد على الاتّصال ، وهو الزّمان ، ويتغيّر بحسبه ما هو فيه أو معه ، تغيّرا على الوجه المذكور .
والثّاني لا يمكن أن يوجد إلّا في مكان أو مع مكان ، فإنّ العلّة الأولى للتكثّر على هذا الوجه في الوجود هي الموجود الذي يقبل الوضع لذاته ، أي يمكن أن يشار إليه إشارة حسّية ، ويلزمه التجزّى بأجزاء مختلفة الأوضاع بالمعنى المذكور وبالمعنى الّذي يكون لبعض الأجزاء إلى بعض نسبة ، بأن يكون في جهة من الجهات منه ، وعلى بعد من الأبعاد دون تلك الجهة والبعد ، وكلّ موجود يكون شأنه كذلك فهو مادىّ .
والطبائع المعقولة إذا تحصّلت في أشخاص كثيرة تكون الأسباب الأوّل لتعيّن أشخاصها وتشخّصها هي إمّا الزّمان ، كما للحركات ، أو المكان ، كما للأجسام ، أو كلاهما ، كما للأشخاص المتغيّرة المتكثّرة الواقعة تحت نوع من الأنواع .
وما لا يكون مكانيّا ولا زمانيّا فلا يتعلّق بهما ، ويتنفّر العقل من إسناده إلى أحدهما ، كما إذا قيل : الإنسان من حيث طبيعة الإنسانيّة متى يوجد أو أين يوجد ، أو كون الخمسة نصف العشرة في أىّ زمان يكون وفي أىّ بلدة يكون ، بل إذا تعيّن شخص منها ، كهذا الإنسان أو هذه الخمسة والعشرة فقد يتعلّق بهما بسبب تشخّصهما .
وكون الأشخاص المتفقة الحقيقة زمانيّا أو مكانيّا لا يقتضى كون المختلفة الحقائق غير زمانىّ وغير مكانىّ ، فإنّ كثيرا منها يوجد أيضا متعلّقا بالزمان والمكان ، كالأجرام العلويّة بأسرها وكليّات العناصر السفليّة .
إذا تقرّر هذا فلنعد إلى المقصود ونقول : إذا كان المدرك أمرا متعلّقا بزمان أو مكان ، فإنّما تكون هذه الإدراكات منه بآلة جسمانيّة لا غير ؛ كالحواسّ الظاهرة ، والباطنة ، أو غيرها ، فإنّه يدرك المتغيّرات الحاضرة في زمانه ويحكم بوجودها ، ويفوته ما كان في زمان غير ذلك الزّمان ويحكم بعدمه ، بل يقول : إنّه كان ، أو سيكون ، وليس الآن ؛ ويدرك المتكثّرات الّتي يمكن له أن يشير إليها ويحكم عليها بأنّها في أىّ جهة منه وعلى أىّ مسافة إن بعد عنه .
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 98
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٩٨