وإنّما قال : « سواء كان حال الحكم أو قبله أو بعده » دفعا لتوهّم من ظنّ أنّ معنى ( ج ب ) هو اتّصال الجيم بالبائيّة حال كونه موصوفا بالجيميّة ، فإنّ الحكم فيه ليس على وصف الجيم « 1 » حتّى يجب تحقّقه في الخارج حال تحقّق الحكم - بل على ذات الجيم - فلا يستدعي الحكم إلّا وجوده ؛ وأمّا اتّصافه بالجيميّة فلا يجب تحقّقه حال تحقّق الحكم ، فإذا قلنا : « كلّ كاتب ضاحك » فليس من شروط كون ذات الكاتب موضوعا أن يكون كاتبا في وقت كونه موصوفا بالضحك ، بل يكفي في ذلك أن يكون موصوفا بالكاتبيّة في وقت ما حتّى يصدق قولنا : « كلّ نائم مستيقظ » ، وإن كان اتّصاف ذات النائم بالوصفين إنّما هو في وقتين .
لا يقال : هاهنا قضايا لا يمكن أخذها بأحد الاعتبارين « 2 » ، وهي التي
هامش
( 1 ) أي دفع بما ذكره ذلك التوهّم لكونه باطلا ، لأنّ الحكم ليس على وصف الجيم الخ ( شريف ) .
( 2 ) يعنى أنّ مثل قولنا : « كلّ ممتنع معدوم » قضيّة لا يمكن أخذها خارجيّة - وهو ظاهر ، إذ ليس أفراد الموضوع موجودة في الخارج محقّقا - ولا حقيقيّة - إذ لا يمكن وجود أفراده في الخارج ، وقد اعتبر في الحقيقيّة إمكان وجود الأفراد كما مرّ .
وأجاب بأنّ المقصود ضبط القضايا المستعملة في العلوم في الأغلب ، وما ذكرتم ممّا يستعمل نادرا ، فلم يلتفتوا إليه ، إذ لم يمكنهم إدراجه في القواعد بسهولة .
ومنهم من جعل أمثال هذه القضايا ذهنيّة ، فقال : « معنى قولك : « كلّ ممتنع معدوم » أنّ كلّ ما يصدق عليه في الذهن أنّه ممتنع في الخارج يصدق عليه في الذهن أنّه معدوم في الخارج » ، فجعل القضايا ثلاثة أقسام : حقيقيّة يتناول الحكم فيها جميع الأفراد الخارجيّة المحقّقة والمقدّرة . وخارجيّة يتناول فيها الأفراد الخارجيّة المحقّقة فقط . وذهنيّة يتناول الأفراد الموجودة في الذهن فقط .
فالأولى أن يقال : أحوال الأشياء على ثلاثة أقسام : قسم يتناول الأفراد الذهنيّة والخارجيّة المحقّقة والمقدّرة - وهذا القسم يسمّى لوازم الماهيّات كالزوجيّة للأربعة والفرديّة للثلاثة وتساوى الزوايا الثلاث لقائمتين للمثلّث - وقسم يختصّ بالموجود الخارجيّ كالحركة والسكون والإضاءة والإحراق ، وقسم يختصّ بالموجود الذهنيّ كالكلّيّة والذاتيّة والجنسيّة وغيرها . فينبغي أن يعتبر ثلاث قضايا :
إحداها أن يكون الحكم فيها على جميع أفراد الموضوع - ذهنيّا كان أو خارجيّا محقّقا كان أو مقدّرا ، كالقضايا الهندسيّة والحسابيّة - وتسمى هذه « حقيقيّة » .
وثانيتها أن يكون الحكم فيها مخصوصا بالأفراد الخارجيّة مطلقا محقّقا أو مقدّرا ، كالقضايا الطبيعيّة ، وتسمى هذه « قضيّة خارجيّة » .
وثالثها أن يكون الحكم فيها مخصوصا بالأفراد الذهنيّة ، وتسمى « قضيّة ذهنيّة » كالقضايا المستعملة في المنطق ( شريف ) .