[ متشتّتان ] ، بل واحد خالق [ خلق ، فسمّى الخالق كيفا ] ليتمّ الخلق على اختلافهما هو بعينه الذي جمعهما في الانسان والفهما ، وانه هو الحكيم وحده الذي أفاد الحكمة خلقه . غير أن له من الشرف في حكمته مثل ماله في جوهره . وذلك [ كذلك ] انه ازلىّ غير محدث كامل غير منقوص خالق غير مخلوق ، وكذلك حكمته أزلية كائنية كجوهره ، لا علة واسطة بين علمه وبين الأشياء المعلومة منه ، ولا دليل شاهد له ، لأنه لا يخفى عليه خافية .
( ج ) فاما نحن معاشر الانس ، فحكمتنا محدثة ، كجوهرنا ناقصة ، تنمو 2 كاجسادنا . وعلمنا ذو علة واسطة يستشهد على المعلول بها ، ودلالة توقعه على ما خفى من الأمور علينا . ولذلك جعل اللّه من الأشياء ظاهرة ومنها خفية ، كما جعل الانسان من نفس ناطقة وجسد ظاهر ، وكما جعل النفس المستّرّة 3 انما يطّلع على الأمور بالجسد البادى . كذلك جعل اللّه الأشياء الخفية المجهولة انما يستدلّ عليها بالظاهرة المكشوفة 4 . فإنه لو جعل الأشياء كلّها ظاهرة ، لما كانت بغية ولا طلبة . ولو جعلها خفية غير ظاهرة ، لما كان درك ولا إصابة . ولكنّه اخفى بعضها ليطلب علمه ، واظهر بعضها ، ليستدل به ، فيدرك الباطن بالظاهر ، ويصاب المجهول بالمعلوم . فيكون الظاهر 5 المعلوم كالجسر الواصل بين جنبتي النهر ، والسلّم الذي [ به ] يتدرج فيه من انتقل إلى فوق ، والشاهدين الذين يحقّقان دعوى المدّعى .
وذلك ما يجعل 6 اللّه له الحمد ( لخفائه وعزوبه ) نبيّه [ و ] خليفته [ اعزّه اللّه ] واسطا بينه وبين عباده ، ووصلة لهم به وسببا اليه ، فأوجب من طاعته عليهم مثل الذي أوجب من طاعته عليه ، حتى صار المطيع لخليفة اللّه مطيعا للذي استخلفه ، والعاصي له عاصيا لله الذي ارتضاه . [ فانّه ان كان أهل خراسان مطيعين لأمير المؤمنين أكرم اللّه وجهه ، وأمير المؤمنين مطيعا للّه ، فأهل خراسان إذا مطيعين للّه ؛ وان كان الترك عصاة لخليفة اللّه ، والخليفة مطيعا لله ، فالترك إذا عصاة للّه . ] فحقّ على النّاس التوصّل إلى رضى 7 اللّه بتحرّى رضا من رضى اللّه ، والتجنّب لمساخط اللّه باجتناب مساخط خليفة اللّه . وكذلك ينبغي ان يستدل بالظاهر على الخفىّ من الأمور 8 ، وان يتدرّج إلى علم المجهول من المعلوم ، 9 وان يعلم 10
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 98
مساهمون: ابن المقفع
ص٩٨