غير أن اتصال العرب في الجاهلية بتلك الحضارات الأجنبية كان يجرى من غير شك في حدود ضيقة تلائم موقع بلادهم الجغرافي وحالتهم الاجتماعية والاقتصادية .
وأخذ تأثر الموسيقى العربية يزداد اطرادا من عصر إلى عصر بموسيقى المدنيات المجاورة لا سيما الموسيقى الفارسية من الناحية العملية ، والموسيقى اليونانية من الناحية النظرية .
وها نحن نرى المقوقس في العام التاسع الهجري ( 630 م ) يهدى إلى النبي ( صلعم ) جاريتين صارت إحداهما وهي سيرين مولاة حسان بن ثابت من أشهر المغنيات في ذلك العصر . وعنها أخذت عزة الميلاء الأستاذة الأولى لمدرسة الغناء التي درج عليها من عاصرها أو جاء بعدها . وقد روى صاحب الأغانى أن عزة كانت تغنى من أغانى سيرين وتلميذاتها ، فوضعت بذلك نواة الصلة بين مصر والموسيقى العربية .
ولقد كان في اتساع الفتوحات التي تمت بعد ذلك والممالك التي دانت للإسلام والأسرى الذين قدموا إلى الديار العربية ما جعل تيار مدنيات البلاد المغلوبة وبخاصة الفارسية واليونانية ينتشر في البلاد العربية . وبينما كان احتراف الغناء في العصر الجاهلي مقصورا على طبقة القيان فقد أخذ بعض الغلمان في صدر الإسلام يتعاطون الغناء ويحترفونه .
وها هو ذا طويس أول من غنى بالعربية غناء يخضع للإيقاع ، وكان لا يضرب بالعود بل كان ينقر بالدف الذي كان يسمى بالمربّع لتربيعه في الشكل . وقد تعلم الغناء من سماعه لأسرى الفرس وهم يشتغلون في المدينة .
وكان ابن مسجح أحد فحول المغنين في العصر الأموي أول من نقل غناء الفرس إلى غناء العرب بمكة في حداثته .
ويرتفع مقام الموسيقيين شيئا فشيئا ، حتى يصلوا إلى قصور الخلفاء وينالوا الحظوة عندهم . ويقتدى الأشراف والنبلاء والسراة بالخلفاء فيقربون إليهم الموسيقيين والمغنين .
ولقد وضح ن أنباء المغنين والمغنيات اطراد ظهور أثر الموسيقى الفارسية في موسيقى العرب وبخاصة من الناحية العملية كما قدمنا ، حتى دخل في اللغة العربية كثير من الألفاظ الفارسية ، مما كان دليلا على عظم هذا الأثر . من ذلك أن أطلق اسم « البربط » على
الشفاء ( الرياضيات ) — صفحة تصدير 2
مساهمون: أبو علي سينا
صتصدير ٢