تصدير
كان العربي في بداوته الجاهلية شاعرا بطبعه موسيقيا بفطرته . وكان الترنم بالشعر أول أنواع الغناء الجاهلي ، ولم ينتحل العرب فيه يومئذ علما ولا عرنوا صناعة . وكان الغالب في طبيعتهم الموسيقية التغني بالرجز يرسلونه ارتجالا لبساطة تفاعيله ويسر تناوله . وربما ناسبوا في غنائهم بين النغمات بعض المناسبة .
ولئن كانت غالبية سكان جزيرة العرب تعيش في البوادي منذ الفطرة الأولى ، والمعيشة البدوية هي السائدة في تلك الجزيرة ، نقد تقدمت بهم الحياة الإنسانية نحو الحضارة والمدنية إلى أن ظهرت من العرب طائفة عرفت بالحضر . وهؤلاء أرقى من البدو بكثير ، يسكنون المدن ويقرون فيها ويعيشون على الزراعة والتجارة . وقد أسسوا قبل الإسلام ممالك ذات مدنية كاليمنيين وكالغساسنة في الشام واللخميين في العراق . وكان لهؤلاء ، لا سيما الأشراف منهم ، موسيقى تسمو على موسيقى البدو ، وتأثرت إلى حد ما بالمدنيات المجاورة .
وقد ازدهرت الموسيقى في بلاد الفرس قبل بلاد العرب ، وعلا شأنها حتى تبوأت في الشرق مكان الزعامة بعد مصر الفرعونية .
وكذلك كان الحال في بلاد اليونان : سمت فيها الموسيقى بعد أن انتقلت إليها من الممالك الشرقية القديمة ، وعنى بها علماؤها فدونوا أصولها وقواعدها .
وقد تأثر العرب بتيار هذه المدنيات تأثرا عظيما ، وحفل تاريخ الجاهلية بأخبار القيان يستقدمن من بلاد العجم والروم ومصر بآلاتهن الموسيقية ، فلا يكاد يخلو منهن بيت من بيوت الأشراف .
روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغانى عن حسان بن ثابت يصف ليالي الجاهلية « لقد رأيت عشر قيان ، خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط ، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة » .