أقول : اعلم أن النهار والليل لا ينكرهما أحد . فإذا فرضت من الصبح ان فرسا تحرك إلى الليل بقوة معينة فقطع عشرة فراسخ ، فإنه إذا ابتدأ بالحركة من الضحوة بتلك القوة إلى الليل فإنه لا يقطع عشرة فراسخ ، بل دون ذلك ، وكذا عند الظهر على نسبة مقدارية ، فبالضرورة قد فات على الفرس المبتدى من الضحوة ؛ والظهر شيء لا ثبات له وله مقدار ، فان له نصفا وسدسا وثلثا ، وغير ذلك ، وليس مقداره مقدار المتحرك والمحرك والمسافة ، فان هذه ثابتة وهو غير ثابت ، فهو مقدار ما لم يثبت ، وهو الحركة . فالزمان مقدار الحركة من جهة المتقدم والمتأخر الغير المجتمعين . وإلى هذا أشار بقوله « وتعرف انه مقدار الحركة لما يرى من التفاوت وعدم الثبات » .
قوله : والزمان لا ينقطع .
أقول : هذا حكم عقلي شريف ، وهو ان الزمان لا بداية له ولا نهاية .
وبيان ذلك أنه لو كان له بداية ، لكان عدمه قبل وجوده ؛ والقبل أيضا من الزمان ، فيلزم ان يكون له قبل لا يجتمع مع بعده ، وهذا القبل ليس كقبلية الواحد على الاثنين المجتمعة معها ، فان حال الكون لا يجتمع مع حال اللاكون . ثم إذا حدث شيء آخر لم يكن موجود لحال وجود الأول ففي حال وجود الأول لم يوجد الثاني ، فهو قبل آخر ، وهكذا ما بعد الثاني والثالث إلى غير النهاية . وهذه القبليات المتجددة ليست نفس عدم الحادث ولا فاعل للحادث ولا امكانه ولا جوهرا أو عرضا ممكن الثبات ، فان كل واحد منها قد يكون موجودا قبل الحادث وبعده ؛ والقبليات لا يتصور ان يكون مع الحادث ولا بعده . وهذه القبليات بعضها أقرب وبعضها ابعد ، فهي قابلة للزيادة والنقصان . وكل كذا ، فهو مقدار لما لا ثبات له ، والا لثبت ، فهو مقدار ما لا ثبات له وهو الحركة ، فهذا يدل على أن ماهية الزمان موجودة ، وهي مقدار الحركة التي لا ثبات لها . ويدل أيضا على أن الزمان لا مبدأ له لأن هذه القبليات قبلية زمانية أيضا ، فلو كان له مبدأ لكان له قبل غير مجتمع
شرح حكمة الاشراق — صفحة 434
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٣٤