الانتهاء إلى جهتين داخلتين في الذات ، فيتركب الواجب لذاته ، وهكذا ان كانت الجهتان مركبتين من الداخل والخارج ، فالواجب لذاته كما كان وحداني الذات ، فهو واحد من جميع جهاته ، فليس له صفة حقيقية متقررة في ذاته ولا حقيقة يلزمها إضافة لان تغيرها يقتضى تغير الذات .
قوله : ثم الجهتان ليس كل واحد منهما نورا .
أقول : ذكر طريقا آخر في نفى الجهتين عن الواجب لذاته غير الطريق المذكور للمشاءين . وتقريره ان تلك الجهتين لا يجوز ان يكون كل واحد منهما نورا غنيا على الاطلاق لما عرفت ، ان لا نورين غنيين في الوجود ، ولا ان يكون أحدهما نورا غنيا والآخر نورا فقيرا ، فان النور الفقير ان كان هيئة في النور الغنى عاد الكلام السابق اليه في أن علته لا يجوز أن تكون نفس الذات ولا أمرا خارجا عنها ، وان لم يكن هيئة فيه كان مستقلا بالقيام بذاته ، فلا يكون جهة في ذات الواجب ، وفرضناه جهة في ذاته ، هذا خلف . ولا يجوز ان يكون أحدهما نورا غنيا والآخر هيئة ظلمانية ، لعود الكلام المتقدم بعينه اليه ، ولا ان يكون أحدهما جوهرا جسمانيا والآخر نورا مجردا غير متعلق أحدهما بالآخر ، فلا يكون ذلك الجوهر الجسماني في ذات الواجب لذاته ، وهو المطلوب . فتقرّر من هذا ان نور الأنوار المقدس مجرد عن كل ما سواه ولا ينضم اليه شيء من الأشياء ، بل هو النور المحض المطلق الذي لا يتخصّص بشيء أصلا ، وما عداه لمعة نور ذاته أو لمعة عن لمعيته وشرر عنه ، وهو أجمل الأشياء وأحسنها وابهى الموجودات واكملها ، ولا يمكن ان يكون في الوجود أتم منه ولا ابهى . فقد عرفت ان حاصل علم الشيء بنفسه راجع إلى ظهور ذاته لذاته وهو النورية المحضة ، وهي التي لا يكون ظهورها بغيرها ، بل ظهور ذاتها بذاتها ، فنور الأنوار يلزم ان يكون حياته وعلمه بذاته لا يزيد على ذاته ، بل هو نفس ذاته ، كما عرفت تقريره في كل نور مجرد ان ظهوره لذاته هو نفس ذاته وهو علمه وحياته الغير الزائدين على نفس الذات ، كما سلف
شرح حكمة الاشراق — صفحة 323
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٢٣