قال : وربما مرّ المارّ ليلا بهنّ فيسمع الأصوات فيميل إليهن عجبا منهنّ ، فإذا دنا منهنّ وجدهن أحجارا .
وحكى أبو عبيدة أنّه سمع شيخا من العرب قد أناف على المائة ، يقول :
خرجت وافدا على بعض خلفاء بني أمية ؛ فخرجت في ليلة شديدة الظلمة فضللت الطريق ووقعت في واد لا أعرفه ؛ فخفت عريف الجن فقلت : أعوذ بربّ هذا الوادي من شرّه وأستخيره في طريقي هذا وأسترشده ؛ فسمعت قائلا يقول من بطن الوادي : تيامن تجاهك تلق السبيل منيرا وتأمن في المسلك ؛ فتوجهت حيث أشار إليّ وقد أمنت بعض الأمن ؛ فإذا باقتباس نيران تلمع أمامي يظهر في خللخها كالوجوه على قامات النخل السحيقة .
وقد كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض ، قال :
أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا المكان من شرّ سفهاء قومه ؛ فيبيت في جوار منه حتى يصبح .
قال اللّه تعالى :
وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً
« 1 » أي غشيانا . ويقال أيضا : إنّهم كانوا في الجاهلية إذا قحطوا ، بعثوا رائدهم ؛ فإذا وجد مكانا فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم ؛ فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا : « نعوذ بربّ هذا الوادي أن يصيبنا آفة » فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وإن فزعتهم الجنّ هربوا . ويحكى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه « 2 » - أنّه شاهد الغول في بعض أسفاره إلى الشام قبل ظهور الإسلام وأنّها كانت تغول له وأنّه ضربها بسيفه ، وهذا مشهور عند العرب . وقد كانت الغول تترائى لهم في الليالي وأوقات الخلوات فيتوهّمون أنّها إنسان ؛ فيتّبعونها فتتوههم وتزيلهم عن السبيل ؛ فلمّا عرفوا ذلك منها لم يكونوا يزلون عمّا كانوا عليه من المقصد .
هامش
( 1 ) . سورهء جنّ ، آيهء 6 .
( 2 ) . ب : - رضي الله عنه .