وأنت إذا عرفت نفسك الناطقة وتركبت « 1 » بدنك « 2 » وإحاطتك بالأشياء علما سهل عليك تصور هذه الأشياء ومعرفتها ؛ فكل « 3 » واحد من المجردات النورية يحيط « 4 » بالمجردات التي هي دونه في المرتبة وينفذ فيها ؛ ويشاهد ما فوقه من المجردات « 5 » التي هي أشدّ نورية وأجلّ مرتبة منه ويعرفها ، إلّا أنّه لا يحيط بها ولا ينفذ فيها إحاطة تامة ونفوذا كاملا ؛ كما أنّا نشاهد قرص الشمس بالبصر ونعرفه إلّا أنّه ليس لنور بصرنا من القوة النورية ما يحيط بذلك وينفذ فيه . وهذا الحكم « 6 » مستمرّ في جميع الأنوار العقلية والنفسية والجسمانية العرضية ؛ فالعقل « 7 » الأوّل مع شدة نوريته لا يتمكّن من مشاهدة البارئ تعالى على سبيل الإحاطة للعلة المذكورة ؛ والنور الناقص كمثال وأنموذج للنور التام ؛ افهم هذه اللطائف ! فبمعرفتها تصير حكيما فيلسوفا ؛ وإن لم يتيسر لك فهمها « 8 » ولا الوقوف عليها فأنت بعيد من الحكمة وتصوّرها .
[ العوالم تترتّب من الألطف فالألطف وتتناسب أطرافها ]
ويجب أن تعلم أنّ هذه العوالم إذا شرعت تترتب من الألطف - الذي هو العلة الأولى - فالألطف ، حتى انتهت إلى العقل الأخير ثم إلى النفس الكلية حتى تنتهي إلى أضعف النفوس . وكانت العوالم تتناسب « 9 » أطرافها فتكون نسبة لطافة العقل الأخير « 10 » إلى النفس الكلية كنسبتها إلى ما يتلوها من النفوس ؛ وهكذا تذهب النسبة نازلة إلى آخر مرتبة النفوس فتكون نسبة لطافتها إلى لطافة الجرم الأعلى كنسبة لطافته إلى « 11 » فلك الثوابت ؛ وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى فلك القمر ؛ وتكون نسبة