ثم إنّهم فتحوا هذا الباب الذي لا مفهوم له في الظاهر فقالوا : إنّما كانت النار حارة لطيفة ، لأنّ أشكال أجزائها الأصلية الغير المتجزئة مثلّثات حادة الزوايا ؛ وإنّما كان الماء باردا رطبا لأنّ أشكال أجزائه « 1 » الأصلية مربّعات ؛ وكذلك الحكم في الهواء والأرض . وأمّا أشكال المركبات فجعلها « 2 » مختلفة بحسب اختلاف أشكال عللها التي هي الأجزاء الأصلية . وزعم بعضهم أنّها كريّة لتشابهها ؛ فإنّ ذوات الأضلاع غير متشابهة ولكن يلزم « 3 » تألّف الأجسام منها على سبيل التشبيك لكون الكرات غير متراصّة « 4 » ويلزم من ذلك أحد المحذورين ؛ وهو إمّا أن يتخلّلها الخلأ الممتنع وجوده ؛ أو أن يتخلّلها أجزاء أخرى غير كرية تملأ خلل الجسم وهما محالان . وجعل بعض القدماء هذه الأجزاء متحركة من بعض إلى بعض من غير قرار في الأمكنة أو مجاورة ، فلا يلقي جزء جزءا دون غيره إلّا في زمان ؛ وكلّها يلقى كلّها في كل الزمان وبعضها في بعضه ؛ وهي ذوات أوضاع وأحياز عندهم دون الأمكنة . والقوم الذين تكلّموا بهذه الأشياء ، كانوا أعقل وأفضل من غيرهم ، ممّن يرد عليهم ؛ فلا يبعد أن تكون هذه رموزا رموزا بها على علوم الروحانيات والصنعة ؛ وحينئذ فلا ردّ على الرمز ؛ ونحن إذا أبطلنا أصل الجوهر بالبراهين العقلية بطلت هذه وأمثالها مما يبتني عليه .
[ براهين على نفي الجزء الذي لا يتجزى ]
البرهان الأول « 5 » : لو كان الجوهر الفرد واقعا في الوجود - سواء كان الجسم مركبا منه أو لم يكن وسواء كانت الأجزاء فيه متناهية أو غير متناهية -