يمكن عليه التنوّر ؛ فإنّه لا يلزم من أن يكون بعض أسماء السلوب مع الإمكان اسما لشيء في بعض المواضع ، أن يكون في الجميع كذا .
والذي يدل على ظلمة الهواء أنّا إذا فتحنا أعيننا في الليالي المظلمة ولم نر شيئا سمّينا ما عندنا ظلمة ، سواء كان جبلا أو جدارا أو هواء طلقا أو غير ذلك ؛ سواء كان ذلك الشيء قابلا للنور أو لم يكن قابلا .
والظلمة عند جماعة من الحكماء المتألّهين عبارة عن انتفاء النور مطلقا من غير أن يشترط فيه الإمكان ؛ فإنّا لو فرضنا العالم خلأ أو فلكا لا نور فيه ، كان مظلما ؛ ولازمته الظلمة مع عدم إمكان النور فيه ؛ وليس هذا الفرض محالا بالنسبة إلى ذات العالم ، وإن كان محالا بالنسبة إلى علله ؛ فعند هؤلاء كل ما لا نور فيه فهو مظلم كيف كان .
البحث الثاني : في الإبصار
« 1 » زعم قوم من الحكماء الأوائل وجماعة من أرباب العلوم الرياضية أنّ الإبصار إنّما هو مشروط بخروج شعاع من العين . ومنهم من قال : إنّ المرئي إذا كان مضيئا وقابله البصر حدث في الرطوبة الجليدية صورة مساوية لصورة المرئي ، فيحصل بذلك الإبصار . ومنهم من قال : إنّ الإبصار ليس بالشعاع ولا بالانطباع ؛ بل إذا كان المرئي حاضرا والحاسة سليمة والشروط كلها موجودة ، يحصل الإبصار . أمّا القائلون بالشعاع فقد اختلفوا : فمنهم من قال : إنّ الشعاع يخرج من العين ثم يتصل بالمرئي ويكون عنده الإبصار . ومنهم من قال : إنّ الشعاع الخارج يتصل بالهواء المتصل بالمرئي ويصير ذلك الشعاع المتصل بالهواء المتصل بالمرئي سببا للإبصار .
هامش
( 1 ) . المشارع ، ص 166 به بعد ؛ الشفاء ، الطبيعيات ، النفس ، مقاله 3 ، فصل 5 ، ص 102 .