بين الأنواع ، ولتحديد ماهيّة الأشياء ، ولتبيّن الأجناس الأولى ، فيؤلّف ذهنيّا فيما بينها حتى يجتاز الروحانيّات كلّها . ثمّ يعود فيعمد إلى / التّحليل حتى ينتهي إلى ما هو في الأصل والمبدأ ، فيستوي حينئذ ساكنا ، وهو كذلك ما دام هنالك في عالم المعقول ، فلا يسعى ولا يعمل بل يتوحّد في ذاته ويشاهد . حينئذ ، ومن عليائه ، يدع الأمر لفنّ آخر ، كما تترك صناعة الخطّ لمن أولى بها ، ما عرف بالمنطق الذي يعالج القضايا والأقيسة ، فيعتبر بعض الأشياء فيه « مقدّمة ضروريّة للعلم » ، / على أنّه يخضع تلك الأشياء لحكمه ، كما يفعل بكلّ ما سواها ، فيتبيّن النافع منها ، ويدع الباقي فضالة لا تصلح إلّا كغرض لفنّ آخر مخصّص لها .
5 ولكن من أين يستمدّ هذا العلم أصوله ؟ إنّ الروح يمدّ بالأصول البيّنة كلّ نفس مستعدّة لقبولها . ثمّ يضمّ الجدل ما يلي تلك المبادي بعضه مع بعض ، فيؤلّف فيما بينه ، ثمّ يعود فيميّز بعضه من بعض حتى ينتهي إلى تمام الروح ؛ فإنّ الجدل ، كما قيل ، « أصفى ما في الروح والفطنة » . ولمّا كان / أشرف ما عندنا من ملكات ، فلا بدّ له حتما من أن يهتمّ بالأيس وبأشرف ما في الأعيان : فهو فطنة بالنّسبة إلى الأيس وهو روح بالنّسبة إلى ما وراء الأيس .
ولكن أو ليست الفلسفة أشرف الأمور ؟ أهي والجدل شيء واحد ؟ بل الجدل أفضل ما في الفلسفة . فلا يظنّن أنّه أداة للفلسفة ليس غير ، / وأنّه ليس إلّا مجرّد نظريّات وقواعد . إنّما يهتمّ بالأمور والأيسات تكوّن مادّته نوعا ما ؛ على أنّه يسعى إليها بأسلوب خاصّ ، فيتناول مع النّظريّات العينيّات بحدّ ذاتها . إنّه لا يعرف الكذب أو السّفسطة ، إلّا على سبيل العرض ، / عندما يرتكبهما غيره ؛ يحكم في الباطل على أنّه غريب عن الحقّ الكامن فيه ، وذلك بأن يتنبّه ، عندما يعرض عليه ، منافيا لمعيار الصّدق . فإنّه لا يعرف شيئا حول القضايا إذا ( وهي بالنسبة إليه كالحروف بالنسبة إلى الكلمة ) ، بل إنّه يدرك الصّدق فيدرك معه ما يسمّونه قضيّة ، ويدرك إجمالا تحرّكات النّفس ؛ ما الذي تثبته وما الذي تنفيه القضية ، وإذا كان ما تنفيه هو ما تثبته أو قواعد أخرى مماثلة ؛ / وإذا كان موضوع النّظر مختلف العناصر أو هو أمر واحد ؛ فإنّه يقبل بنظره على كلّ تلك المعلومات عندما تعرض عليه فيدركها بما كأنّه الإحساس . أمّا التّدقيق في تفاصيل ذلك كلّه فيدعها لفن آخر يتّسع لها صدرا .
6 فالجدل إذا أفضل أجزاء الفلسفة ، إذ إنّ للفلسفة أجزاء أخرى . فإنّها مثلا تبحث عن الطّبيعة فتستعين هنا بالجدل ، مثلما تستخدم العلوم الوضعيّة الحساب ، لا لشيء إلّا لأنّها مع الجدل ، تزداد قربا من الطّبيعة فيعظم أخذها منها ؛ وتستعين الفلسفة بالجدل أيضا / ، لأبحاثها في الأخلاقيّات ، على أنّها تستمدّ من نفسها القول الذي تضيفه إلى الملكات الأخلاقيّة
تاسوعات أفلوطين — صفحة 68
مساهمون: أفلوطين
ص٦٨